ترجمة كتاب: الجزائر للمؤلف أحمد توفيق المدني    

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : اللغات والتعبيرات الأدبية والفنية

الإشكالية

تزامن اصدار الكتاب مع احتفاء الاحتلال الفرنسي بالذكرى المئوية لاحتلال الجزائر، ومع زعم المستشرقين أن الحضارة في الجزائر بدأت مع الاحتلال، وفي ظل غلبة شعور عام لدى كثير من أبناء الجزائر أن الأمة الجزائر قد اضمحلت أركانها وتلاشت أواصرها، واندست قيمها. فجاء الرد علميا على هذه المزاعم بتأليف هذا الكتاب الذي ورد فيه اثبات الشخصية التاريخية للفرد الجزائري بكل مقوماتها؛ فهو بهذا، يقدم جولة مفصلة إلى حد بعيد بين ميادين ومحطات حضارية عديدة من تاريخ الجزائر، لكاتبه أحمد توفيق المدني، الذي استهله بذكر أهم الأسباب التي دفعته لتقديم هذا العمل؛ والتي حصرها في أنه رصد جهل الشباب الجزائري، في تلك الحقبة من الزمن وبعد مرور مئة عام على الاحتلال، بتاريخه، وطبيعته، ونظمه، وقوانينه، وعناصر سكانه، وحالته الأدبية، وقوته الاقتصادية؛ لكنه لا يلومه حقيقة على جهله هذا، وإنما يرد ذلك لوقوعه تحت وطأة الاحتلال. وبهذا ألزم الكاتب نفسه بتقديم كتابه لتعريف وتعليم الشباب الجزائري خاصة عن دياره التي يعيش فيها والأرض التي أنبتت آباءه وأجداده؛ فقد جمع فيه – في نظره- ما يجب على كل جزائري مسلم أن يعرفه عن بلده الجزائر، وضمنه نهاية ما أوصله إليه بحثه في هذا المجال، بهدف أن يجعله سببا في زيادة حب الشباب الجزائري لوطنهم وحثهم على خدمته والتمسك به، والحفاظ على هويتهم الجزائرية العربية المسلمة، بشعار: " الإسلام ديني، العربية لغتي، الجزائر وطني".

و قسم كتابه إلى أربعة عشرة قسم، فأما القسم الأول فعنونه ب: " فذلكة عن تاريخ الجزائر، من أقدم العصور إلى الاحتلال الفرنسي"، وحمله ستة عشرة فصلا؛ وانطلق من الفصل الأول الذي يدور حول حقبة 1000 سنة قبل الميلاد ويحمل عنوان " البربر والجاليات الكنعانية"، بالحديث عن أن أصل سكان الجزائر، أي أول من وطأت أقدامه أرض شمال إفريقيا واستعمرها، والذين هم – حسب ما جاء في كتابه- أقوام حلوا بهذه الأرض من قبل البربر ، من كنعان فينيقيا الذي أقاموا شوطا في المنطقة، واحترفوا التجارة والملاحة، والصناعة، وتحدثوا لغة عربية محرفة قليلا عن اللغة العربية الفصحى، وعبدوا الشمس والقمر. وكان اختلاطهم العظيم بالبربر في القرن الخامس قبل الميلاد. وأرجع عناصر البربر إلى جاليات قدمت كلها مهاجرة من آسيا، مخترقة مصر ولوبيا، وترجع في أصلها إلى" أرومة مازيغ بن كنعان بن سام بن نوح"، فهم من أبناء عم العرب والفينيقيين، وهم قوم أشراف يدعون أنفسهم " الأمازيغ" أي السادة الأحرار، لا يتحملون الخضوع لسلطان، ولا يرضخون إلا للقوة وعلى مضض، ويخالطون ولا يختلطون، ونظامهم الوحيد هو نظام العائلة والقبيلة، ولربما – يستطرد- كان عندهم للأم المرتبة السامية والحكم المطلق، كما هو نظام قبائل الطوارق اليوم (أي في فترة تأليف الكتاب) في بلاد الصحراء، حيث لا يعترف بسلطة الأب. كما كانوا وثنيي الديانة، ورعاة للماشية التي يلبسون البرانس المصنوعة من جلودها وأصوافها، ويأكلون لحومها وما تنبت الأرض التي كانت ملآ بالحيوانات الضخمة والكاسرة. ثم واصل الكلام عن مساهمة الكنعان في بناء قرطاجنة في فصله الثاني الموسوم ب: "قرطاجنة وسلطانها"، خلال فترة 480 قبل ميلاد المسيح، والتي بدأت بقدوم الأميرة " عليشة ديدو " من البلاد الكنعانية من مدينة صور صحبة حاشية من علية القوم، وأسست بمساعدة الكنعانيين المقيمين بالسواحل التونسية مدينة "قرطاجة"، التي وسعت حدودها بالمعاملات التجارية الودية، لأنها لم تمتلك إلا جيشا من المرتزقة، وهذا الأمر بالمناسبة ما ساهم في إضعافها فيما بعد. عبد القرطاجيون بعل وتانيث وملك، وتميزوا بفن العمارة، إلى أن بغى عليهم الرومان وأسقطوا حضارتهم. وكان للبربر دور في رد الظلم عن قرطاجة واشتبكوا في الحرب مع الرومان. وعن حربهم هذه – أي البربر والرومان- خصص لها الفصل الثالث، الذي عنونه ب: " الرومان والبربر"، فكانت حرب كر وفر، برز خلالها بعض القادة البربر من أمثال: "ماصينيصا، ويوغرطة، ويوبا الأول وغيرهم..". وبقيت آثار الوجود الروماني على أرض الجزائر إلى اليوم، تتمظهر من خلال نظام الحمامات، والأسواق، والطعام، واللباس. ثم انتقل في معرض هذا القسم ، وفي فصله الرابع المعنون ب: " الوندال" إلى الحديث عن الوجود الوندالي في المنطقة، بداية من هجوم ثمانين ألفا منهم تحت قيادة كبيريهم "جنصريق" في سنة 429، وأتوا معهم بالثالوث الرهيب: الخراب، والمحق، والدمار. وبذلك أتو على الأخضر واليابس ومحقوا ما خلفه الرومان، بمعية البربر الذين سرهم ما قام به الوندال من قتل وتنكيل بالرومان الذي استعمروا المنطقة. ولكن بعد موت ملك الواندال " جنصريق" سنة 477 تراجعت سطوة الوندال وتخاذلوا إلى أن فقدوا سلطتهم على الرومان سنة 533. وبهذا، وصل الكاتب إلى الحديث عن الوجود الروماني في الفصل الخامس المعنون ب: " الروم"، بداية من ارسال امبراطور بيزنطة، عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، " بليزار" بصحبة أسطول مهول من الروم لينسف سلطة الوندال نسفا، وارتكب في الوندال ما ارتكبه الوندال في الرومان. وقد كان عصر الروم أظلم من عصر الوندال، ثم تدهور سلطان الروم كما تدهور سلطان الرومان. وبقيت المنطقة تتخبط في الحروب حتى جاء الإسلام، والذي تطرق له في فصله السادس المعنون ب: " الفتح الإسلامي"، مع قدوم العرب الفاتحين الأوائل سنة 667، عشرين ألفا بقيادة عبد الله ابن سعد ومعه عبد الله بن الزبير، فجمع لهم "بطريق" والي سبيطلة عاصمة قرطاجة مائة وعشرين ألفا من الروم والرومان لملاقاتهم، لكن العرب المسلمون انتصروا واستحوذوا على سبيطلة. وتوالت معارك المسلمين مع الوثنيين والمسيحيين في كامل بلاد المغرب إلى أن احتلوها. واستمر تداول الولاة العرب على السلطة إلى أن تأسست الدولة الإسلامية البربرية. وأما الفصل السابع فقد خصصه للحديث عن الدولة الرستمية وسماه ب:" دولة تيهرت الرستمية "، فتطرق فيه لظروف تأسيسها، وهوية مؤسسها، وحدودها، وشكل عمارتها، وعلاقاتها مع الدول المزاحمة لها في الحدود، حتى سقوطها؛ حيث دامت ل 136 سنة توالى على حكمها ستة من الأئمة أولهم عبد الرحمان بن رستم وآخرهم اليقظان. ثم يليه الفصل الثامن الموسوم ب: " الإدارة الأغلبية"، والذي يتحدث عن الدولة الأغلبية التي أسسها بنو الأغلب، والتي استمرت من 184 ه إلى 303 ه، وعاصمتها القيروان، التي أصبحت من أعظم الحواضر الإسلامية، وعرفت تحت حكمها بلاد الزاب الجزائربة التي امتدت من بجاية ،البحر المتوسط إلى الصحراء، الرقي والرخاء، والعدل والمساواة بين العرب والبربر، وكانت الدولة الأغلبية من أزهر الحضارات التي عرفتها بلاد الجزائر. والفصل التاسع المعنون ب: " الإدارة الفاطمية"، يتناول فترة انحطاط الدولة؛ إذ لما شاخت الدولة الأغلبية اغتنم أبو عبد الله الشيعي زعيم كتامة الفرصة وهاجمها ودمر ملكها في واقعة الأربس، وفر آخر حكامها زيادة الله الثالث إلى المشرق سنة 296. كما انقض أبو عبد الله على الدولة الرستمية وحطمها، وهكذا أصبحت الجزائر خاضعة لسلطان الدولة الشيعية الفاطمية. ولأول مرة في التاريخ اجتمع كل من تونس، والجزائر، والمغرب الأقصى تحت دولة واحدة، وإدارة واحدة. وجاء الفصل العاشر مقتضبا جدا في الحديث عن مدينة المحمدية وهي مسيلة، معنونا ب "مدينة المسيلة"، فتأسست هذه الأخيرة على يد بن عبيد الله المهدي، وأصبحت عاصمة إسلامية كبرى ذات عمران متسع ومدينة شامخة، إلى أن قضى عليها بلكين بن زيري بن مناد سنة 362، وابتنى مدينة " جزائر بني مزغنة". وبعده الفصل الحادي عشر الذي حمل عنوان:" دولة بني حماد العظيمة"، وتطرق بطبيعة الحال إلى ظروف نشأة الدولة والملامح العامة التي ميزت فترة حكمها، واتساع رقعتها الجغرافية التي شملت كل بلاد الجزائر تقريبا. ودامت حوالي 271 سنة تقريبا توالى فيها تسعة حكام على السلطة، وكانت الدولة الحق للجزائر. وانتهى أمرها بضربة من عبد المؤمن بن علي الذي أنهى حكم أخر ملوكها سنة547.

ثم الفصل الثاني عشر بعنوان: " إدارة الموحدين"، وقد أسس دولة الموحدين في السوس الأقصى المهدي محمد بن تومرت وخلفه عبد المؤمن بن علي الكومي، الذي قادها بقوة الإيمان ومتانة العزم، فكانت بشكل عام أيام الموحدين في الجزائر، رغم قضائهم على الحماديين، أيام راحة واطمئنان ودامت مدة حكمهم على الجزائر كاملة السبعون عاما. والفصل الثالث عشر موسوم ب: " دولة بني زيان"، والتي تأسست على يد قبيلة بني عبد الواد، وأنشأ جابر بن يوسف سنة672 دولة بني عبد الواد. وأعلن استقلالها في تلمسان عن سلطة الموحدين سنة 633 على يد يغمراسن العظيم، ثم تراجعت وتقهقرت شيئا فشيئا لضعف من تولوا أمرها ولكثرة الصراعات والنزاعات على أراضيها وسلطتها. والفصل الرابع عشر الموسوم ب: " الإسبان والأتراك والزيانيون"، يتحدث عن كيف تتبع الإسبان المسلمين إلى عقر دارهم، واحتلوا المرسى الكبير، ثم مرسى وهران سنة 1509. كما عرض شناعة صنيع القراصنة الإسبان والبرتغاليين بالمسلمين، حتى تدخل العثمانيون بعد أن وطدوا موطأ أقدامهم في المشرق، وشيدوا أسطولا مهيبا، واشتهر منهم عروج وخير الدين اللذان تطوعا لنقل المسلمين من الأندلس إلى سواحل المغرب، ووجد الأتراك عضدا متينا في مهاجري الأندلس ضد الإسبان، فتوالت الحروب بين الفريقين، والحرب سجال، ثم انضم الزيانيون إلى الحرب تارة مع الإسبان وتارة أخرى مع الأتراك، ثم أصبحت الجزائر تحت التبعية التركية، وتحت حكم البايلرباي خير الدين. وانتهت دولة بني زيان تحت وطأة الحرب بعد حكم ثلاثمائة سنة وعامين. والفصل الخامس: بعنوان: " الجزائر التركية العثمانية"، وفيه ذكر كيف شيد الأتراك ملكا عسكريا في البلاد، وكيف ابتدأوا بإدخال البلاد كلها تحت سلطانهم، ولم يجدوا مقاومة كبيرة فتم لهم الأمر بعد وقت قريب. وكانت القرصنة في الجزائر صناعة وطنية لها ضابطها على عكس نظيرتيها الإسبانية والبرتغالية، فكانت بحرية الدول التي لها قناصل في الجزائر لا يعتدى عليها مقابل دفع مبلغ معلوم سنويا للباشا، كما اشتدت الحروب بين بحرية الدول الأوروبية وأسطول الجزائر، والتي غالبا ما انتهت بهزيمة بحرية الدول الأوروبية، كما نالت مدينة الجزائر ثروت كبيرة من غنائم الغزوات البحرية. وآخر فصل في القسم الأول هو الفصل السادس عشر، والمعنون ب:" العلائق مع فرنسا"، وضم تفصيلا شموليا حول العلاقة بين الجزائر وفرنسا، قبل الاحتلال في المجالات الحربية، والاقتصادية، وكيفية دخول الإنجليز طرفا في النزاع.

والقسم الثاني من الكتاب عنونه ب:" خلاصة تاريخ الجزائر، من الاحتلال الفرنسي إلى اليوم"، وقسم مادته على خمسة فصول. فأما الفصل الأول فوسمه ب:" الخلاف الفرنسي الجزائري والاحتلال"، وعرض فيه حوصلة مفصلة عن العلاقات الجزائرية الفرنسية، وبداية النزاعات، إلى غاية الاحتلال، مركزا على التجاوزات اللفظية وتطاولات الممثلين الفرنسيين ضد حاكم الجزائر مما ساهم في زيادة تأزم الأوضاع بين الطرفين، وانتهى كل ذلك بقيام القوات الفرنسية بإخضاع بعض المناطق الجزائرية وبداية خطة احتلال الجزائر. والفصل الثاني خصه بالحديث عن الأمير عبد القادر وانجازاته، وعنونه ب: " دولة الأمير عبد القادر الهاشمي"، وعرض فيه أوضاع المنطقة بعد سقوط العاصمة، وظروف مبايعة الأمير عبد القادر، ثم مقاومته ضد الاحتلال، وحدود الأراضي الواقعة تحت سلطته، وأهم الملامح العامة التي ميزت فترة حكمه. ثم يأتي الفصل الثالث بعنوان: " الإدارة والاستعمار من عام 1830إلى 1870"، ليحدد شكل تعامل الفرنسيينمع العرب خصوصا ولم تكن لهم سابقة قبل ذلك، فأسسوا أول الأمر " المكتب العربي"، ثم بدأوا بالاستيلاء على ممتلكات الأتراك، وعلى الأراضي في السهل الخصيب، وشرعت مع ذلك فكرة الاستعمار تتبلور وتأخذ بعدا حقيقيا على أرض الواقع. وأثر الثورات الفرنسية على الاحتلال خاصة ثورة سنة 1848، التي ساهمت في توسيع الاستيطان. وبذلك كله بدأ تقسيم الجزائر وإخضاعها للسلطة الفعلية لفرنسا. ويستمر الفصل الرابع في التفصيل أكثر حول أحداث استعمار فرنسا للجزائر في فترة لا حقة، وعنون ب: "الإدارة والاستعمار من عام 1870 إلى عام 1914"، فحرر مشروع دستور عام قسم أرض الجزائر إلى الأرض المدنية والأرض العسكرية، وكان القسم الأول ضئيلا جدا بالنسبة للقسم الثاني، أما الإدارة الجزائرية فوضع على رأسها الوالي العام، بميزانية مالية مستقلة وضعت في يد المجلس الأعلى الجزائري. ثم توالت الحروب (فرنسا وألمانيا)، ومجاعة سنة 1867 والأمراض والمقاومات، لتستنزف قوى الجزائريين. وفي ذات السياق وفي فترة تالية يأتي الفصل الخامس والأخير من القسم الثاني لحصر أهم الأحداث التي ميزت فترة من 1914 إلى 1931 من احتلال الجزائر، بعنوان: " "الإدارة والاستعمار من عام 1914 إلى عام 1931"، فمع اقتراب رفع رايات الحرب العالمية الأولى سنت القوات الاستعمارية الفرنسية قانون تجنيد المسلمين في هذه البلاد بدء من سنة 1912، مما دفع بالعديد من العائلات المسلمة إلى الهجرة إلى بلاد الشام. ورغم أن الحرب الكبرى انتهت بفوز فرنسا لكن الثمن الجسيم دفعه الجزائريون. ثم بدأت السلطات الفرنسية بسن قوانينها لإحكام قبضتها حول الأرض والسكان.

وينتقل الكتاب في هذه المرحلة بالقارئ إلى ميداني الأدب والعلم، فعنوان القسم الثالث هو:" خلاصة عن الحالة الأدبية والعلمية في بلاد الجزائر، من العصور القديمة إلى يومنا هذا"، ويتضمن استقراء عن الوضع العلمي والأدبي في فترات محددة من الزمان، فالفترة الأولى تمتد من «القديم إلى الفتح الإسلامي"، وتعرض أهم ما أضافت علميا وأدبيا مختلف الحضارات التي مرت على منطقة الجزائر وصولا إلى الفتح الإسلامي. الذي ميزته هو الأخر عدة فترات تزامنت كل منها مع حكم فئة دون الأخرى أو اشتراك فئتين في الحكم، فعرض الملمح العلمي والأدبي، وحصر أهم الأعلام الذين زينوا الساحة الفكرية في فترة ما بين الرستميين والأغالبة، وأيام السلطة الفاطمية، وفي دولة بني حماد، ودولة الموحدين، وعصر المدينة الزيانية، وعصر الدولة التركية، وعصر الاحتلال، وأخيرا ما سماه بالعصر الأخير، أو عصر النهضة العربية بالجزائر، والذي نبغ خلاله عدد كبير من الكتاب والأدباء والعلماء الجزائريين.

ويعرّج في معرض قسمه الرابع على ميدان الدراسات الاجتماعية والديموغرافية، فيخصصه لدراسة الفئات السكانية للمنطقة بعنوان: " سكان الجزائر"، فبدأ بعنصر البربر، فتحدث عن المنطقة التي قدموا إليها في شمال افريقيا، وأصولهم، وانسابهم، وبطونهم، ثم انتقل للحديث عن عوائدهم وأخلاقهم، فوصفهم بالكرم الشديد، والشجاعة الباسلة، والصلابة، وعشقهم اللامتناهي للحرية والأرض، وقوة ايمانهم وتعلقهم بالإسلام بعدما كانوا وثنيين. وعدد عاداتهم وأعرافهم خاصة ما تعلق منها بالزواج، ليسجل ملاحظة مهمة وهي أنه رغم كل مذكره آنفا إلا أنه هناك جيل حديث منهم خاصة من منطقة جرجرة شرع في الابتعاد عن الدين الإسلامي. ثم انتقل إلى منطقة أخرى وهي منطقة وادي مزاب، فبين نظامها الاجتماعي، ونظام الحكم والتشريع فيها، والعرف، والبنية المجتمعية (نظام العشائر، القياد، الجماعة..). ثم حدد القبائل البربرية ومواطنها في القطر الجزائري: عروش عمالة قسنطينة، وعمالة الجزائر، وعمالة وهران. كما تحدث عن البربر المستعربون ومناطق تواجدهم، وختم هذا الجزء بتقديم نظرة عامة عن أوضاعهم وأمورهم إلى يوم تأليف الكتاب.

وخصص القسم الخامس للحديث عن العرب وسماه: " العنصر العربي في الجزائر"، والذين أرجع أصولهم إلى العرب الذين قدموا مهاجرين أيام الدولة الحمادية الصنهاجية. وحقيقة ارادت الخليفة الفاطمي المستنصر التخلص من العرب الذين كانوا يتوافدون من جزيرتهم إلى مصر منذ فتحها بدفعهم إلى بلاد المغرب انتقاما من أمراء الصنهاجة، إنما وطد وجود الإسلام والعربية في هذه الأوطان. وقسم عرضه إلى بحثين، فأما الأول فجعله إحصاء لمختلف القبائل العربية وبطونها الموجودة بالمنطقة، والبحث الثاني، في ذكر مناطق تواجدهم أي توزيعهم الجغرافي وحالتهم الراهنة، كما لم يهمل ذكر العناصر الإسلامية الأخرى من الأتراك الذين بقوا بعد زوال دولتهم والزنوج الوافدين من الجنوب الإفريقي.

وحصر في الجزء السادس الفئات السكانية الأخرى في الجزائر من غير البربر والعرب، وسماه: " العناصر الأخرى بالجزائر". وبدأ في تعدادهم باليهود على اعتبار أنهم أقدم عنصر غير إسلامي بهذه البلاد، رغم أنهم ألحقوا بالعنصر الفرنسي لاحقا بعد قانون 24 أكتوبر 1780، وقسمهم إلى قسمين النازح من فلسطين، والبربر الذين تدينوا بالديانة الموسوية من النازحين، ثم استرسل في الكلام عن فترة نزوحهم واستقرارهم بالمنطقة، وأهم نشاطاتهم، والمناطق التي استوطنوها، وكيف صفوا مع الاحتلال وانضموا إلى صفوف الفرنسين، كما قدم استقراء لوضعهم في فترة تأليف الكتاب ومراتبهم ضمن طبقات المجتمع الجزائري واندماجهم داخله مع غيرهم دون التخلي عن دينهم، وختم حديثه عنهم بذكر مواطن قوتهم من وجهة نظره. ومن اليهود من انتقل إلى فئة الفرنسيين، والتي ضمت مجموعتين، مجموعة أولى تخص الفرنسيين الأصليين الوافديين من فرنسا، والمجموعة الثانية تخص أقليات إيطالية، وإسبانية، ومالطية، ومكانة كل واحدة منهما داخل النسيج الاجتماعي ودورها. كما أشار إلى ظهور فئة أخرى جديدة هي فئة الفرنسي الجزائري ومكانتها هي الأخرى ضمن النظام. كما لم يغفل حصر اهم سماتها النفسية والعقائدية ودورها في ترسيخ الاحتلال. ليختم هذا الجزء بالحديث عن فئة الأجانب التي تكاد تساوي في تعدادها فئة الفرنسيين، وعن أصولهم، ودورهم داخل البناء المجتمعي كذلك.

وضمّن القسم السابع المعنون ب: " الجغرافية الطبيعة العامة لقطر الجزائر"، -وكما يوحي العنوان - دراسة عامة عن جغرافيا المنطقة في ثلاث بحوث: فأما الأول وعنوانه " نظرة جغرافية عامة" ، وفيه عرض لملامح المنطقة ، بداية من حدودها ومساحتها وتاريخ تحديدها وامتداد سواحلها، إلى غاية تضاريسها: من ارتفاع الجبال وأنواعها، وتلالها وسواحلها وامتدادهما، وهضابها العليا وتموقعها، وبحيراتها وسباخها ومساحتها، واتساع صحراءها، وحجم تساقط الأمطار ومواسمها، وأوديتها بجرد أهمها وأمكنة تواجدها، ومناخها الذي يختلف من منطقة إلى أخرى، وغطاءها الغابي وامتداده والمناطق التي يشملها ويختم بالحمامات المعدنية الطبيعة وأماكن تواجدها. لينتقل مباشرة إلى عرض "جغرافية تفصيلية للعمالات والملحقات"، حيث تقسم جزائر تلك الحقبة إداريا إلى قسمين: الأول هو القسم الشمالي أي الأرض المدنية، ويشمل عمالة قسنطينة، وعمالة الجزائر وعمالة وهران، والقسم الجنوبي أي المنطقة العسكرية ويشمل منطقة تقرت، وغرداية، وعين الصفراء، ويلي ذلك ملحقات الصحراء بأرض الجزائر والتي تسمى منطقة الواحات. ومن هذا ينطلق إلى البحث الثالث والذي سماه: " إحصاء عام لسكان الجزائر"، وهو فعليا يضم إحصاء عاما رسميا صدر بتاريخ 08 مارس 1931، ويحصر عدد السكان في كل عمالة ومنطقة، ونسبة الزيادة العامة في مدة خمس سنوات، ونسبة الكثافة السكانية في الكيلومتر الواحد، وعدد السكان من المسلمين والمسيحيين، وتعداد السكان في المدن الكبرى.

وصولا إلى القسم الثامن والذي سماه: " أمهات المدن والقرى في القطر الجزائري"، وخصصهللتحدث عنالمدن والقرى البارزةفي القطر الجزائري، وبروزها – في نظره- يعزى إلى اشعاعها العلمي والثقافي والتاريخي والاقتصادي، فيذكر الحاضرة سواء كانت مدينة أو قرية ويحدد موقعها وانتماءها الإداري، ويقدم ترجمة مختصرة لها، ومنها ويفرق بينها من حيث موقعها فمنها ما يقع في الشمال ومنها ما يقع في الصحراء. وتقديم ذكر الواحدة على الأخرى في هذا القسم ما هو إلا بسبب ترتيبها وفق حروف المعجم.

ثم القسم التاسع والذي سماه: " الحكومة المركزية والإدارات العامة في الجزائر"، وجاء في ذكر تفصيلات أكثر عن تقسيم الجزائر إلى قسمين -كما أسلف-قسم شمالي مدني وفيه ثلاث عمالات: قسنطينة، الجزائر، وهران. وقسم جنوبي عسكري ويضم: تقرت، غرداية، عين الصفراء، والواحات- وبين ذلك من خلال أربعة أبحاث. فأما البحث الأول، وسماه " الحكومة وإدارتها"، وفيه ينحصر الحديث عن حق التشريع في الجزائر وإداراتها، حيث تتابعت أدوار خمسة على التشريع في الجزائر: الدور الأول لسنة من سنة 1830 إلى سنة 1834، وكان القائد العام العسكري هو صاحب القرار في السلطة، والدور الثاني 1834 إلى سنة 1848 يقضي بأن حق التشريع محفوظ للملك وحده في الأرض الفرنسية بشمال إفريقيا، والدور الثالث من سنة 1848 إلى سنة 1852 أعطى حق التشريع في الجزائر إلى السينا وهو يصدر قراراته باسم " سيناتوس كونسوات"، والدور الرابع من سنة 1770 إلى سنة صدور الكتاب، أين أصبح البرلمان الفرنسي هو المشرع في الجزائر. ثم انتقل إلى الحديث عن الولاية العامة وأدوراها وكيف تم التداول عليها، كما تحدث عن الوالي العام، والذي بيده السلطة المركزية في الجزائر، ومجلس الحكومة الذي هو بمثابة مجلس الوزراء، وحدد مختلف الإدارات في الجزائر والسلطة التي تتبعها. ثم ينتقل إلى البحث الثاني والذي سماه: "إدارة العمالات"، وفيه تحدث عن كل العمالات التي تندرج تحت القسمين المدني والعسكري، بمساحتها، والسلطة التي تتبعها بالإضافة إلى التفصيل في إداراتها ومهامها كل على حدا. ويحصي البحث الثالث كما يوحي عنوانه: " المناطق البلدية"، عدد البلديات الموجودة وأنواعها، ومناطق وجودها، وإداراتها المختلفة، ومسؤولوها، والميزانيات المخصصة لها، والسلطة التي تتبعها. ويختم هذا القسم بالبحث الرابع والمعنون ب:" إدارة أراضي الجنوب"، يبن فيه نشأت القسم العسكري، ويحدد السلطة التي يتبعها، ومن يتكفل بالميزانية والتمويل، وإداراته حسب العمالات الموجودة فيه.

فالقسم العاشر، وعنوانه " المجالس المنتخبة بالقطر الجزائري"، ففي القطر الجزائري في ذلك الوقت مجالس منتخبة كثيرة، منها ما يشتغل بالمصالح الخاصة، كمجالس الجماعات ومجالس البلديات، ومنها ما يشتغل بمصالح الناحية، كمجالس العمالات، ومنها ما يهتم بالحالة الجزائرية وتدبير ميزانيتها كمجالس النيابات المالية، ومنها بحياة الشعب وعمله، كمجالس الحجرات الفلاحية والتجارية، وفي هذا القسم سيجد القارئ توصيفا مفصلا عن هذه المجالس بنظامها وتاريخ إنشاءها وعملها.

ويخرج بنا القسم الحادي العاشر من الإدارة إلى ميدان التعليم بعنوان " التعليم العام في الجزائر"، وفيه يؤكد الكاتب بداية ان الجزائر في ذلك الوقت لم تكن خالية من التعليم رغم أن نسبة الأمية بلغت 95%، لكن ما كان موجودا لم يف بحاجتها أو درجة تقدمها، ثم يتعدى ذلك إلى تقديم عرض حالة عن مختلف أطوار التعليم المتاحة بما فيها التعليم المهني، فترة إنشاءها، نسبة الطلاب الجزائريين فيها، القوانين التي تسيرها، ولغة أو لغات التدريس فيها، وإذا كانت تفي بمتطلبات الطالب الجزائري العربي المسلم.

ليحل بنا القسم الثاني عشر المعنون ب:" النظام القضائي والعدلي في الجزائر"، في ميدان القضاء والعدل، ولهذا القسم ثلاث أبحاث، فأما الأول والمعنون ب:" القضاء الفرنسي"، فيتحدث بنوع من التفصيل عن الكيفية التي وطد بها هذا القضاء أركانه داخل الجزائر، بالإضافة إلى عرض بعض تشريعاته، وتعداد هيئاته الرسمية ومهامها واختصاصها، والأفراد العاملين بها من قضاة ومحامين ومترجمين. ثم يأتي البحث الثاني، والمعنون ب:" القضاء الزجري"، والذي يدل على مجموع القوانين الجائرة التي يطلق عليها تسمية قوانين الأنديجينا، والتي ضيقت الخناق على الأمة وجعلتها تعيش حالة رهيبة من الظلم. في هذا البحث سيجد القارئ تفصيلا دقيقا عن ماهيتها وفحواها وشكل تطبيقها على الشعب. وآخرها بعنوان: " القضاء الإسلامي"، ويتحدث كما يوحي العنوان عن القضاء وفق الشريعة الإسلامية، ويشير الكاتب أن هذا النوع سلطته محدودة والاحتكام إلى قوانينه قليل ومحصور، ويبين نطاق فعاليته وكيفية تعامل الاحتلال معه، كما حدد أنواعه، والفئة التي تقر وتعمل به، والحالات التي يتم اللجوء فيها إليه.

ويتساءل القسم الثالث عشر المعنون ب: " حالة المسلمين في القطر الجزائري"، عن وضعية المسلم القانونية، وعن جنسيته في ظل الاحتلال. ليجد أن الجزائري يعتبر قانونيا فرنسيا، لكن عليه أكثر مما على الفرنسيين، وله أقل بكثير مما لهم، والسبب الظاهر- في نظره -راجع إلى أن المسلم الجزائري يحتكم في مسائله الشرعية إلى الشريعة الإسلامية، أما السبب الحقيقي هو خوف الاحتلال من أن يتغلب العنصر الإسلامي الفرنسي على العنصر الفرنسي المسيحي، مما ينتج عنه تحكمه في المجالس المنتخبة وبالتالي فقدان سيطرة الاحتلال على البلاد، لهذا فتح باب التجنس أو التجنيس من أجل أن يحصل المتجنس على كامل الحقوق الفرنسية. لكن هذا الأمر لم ينل مراده من الجزائريين وقوبل بالعزوف، كما لم يعفو من التجنيد الإجباري، وعانوا من التفرقة والتعسف في التوظيف، رغم أنهم يمثلون السواد الأعظم من القوة العاملة. ولم يغفل ذكر الأوضاع الصحية المزرية التي عاشها أغلبية الجزائريين نتيجة الفقر والعوز والبؤس، وضعف الرعاية الصحية. ولا التعرض لوضعية المرأة وتعليمها التي كانت هي الأخرى مهضومة الحق. وحتى الموسيقى والتمثيل الذين إلى وقت تأليف الكتاب سجلوا تراجعا كبيرا بالمقارنة مع الدول العربية الأخرى. بل وحتى الصحافة عانت من التقييد والجور، ولم تتمكن في كثير من الأحيان من إيصال صرخة الجزائري للعالم، رغم أنه صدر عدد محترم من الصحف عددها الكاتب بسنة صدورها والجهة التي أصدرتها. وكان نصيب الزوايا والطرق بأنواعها المذكورة من مناطق مختلفة من البلاد من الظلم والجور نصيب سابقيها نفسه رغم تاريخها وخدمتها التي قدمتها للمجتمع الجزائري الإسلامي. ورغم كل ذلك– يؤكد الكاتب- أن النهضة الحديثة قد عرفت طريقها إلى الجزائر وشملت جميع الميادين الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والعلمية.

وتناول آخر قسم من الكتاب وهو القسم الرابع عشر والمعنون ب: " الحالة الاقتصادية العامة"، في ستة أبحاث مجموعة من الإحصاءات في ميادين اقتصادية مختلفة، فأما البحث الأول وعنوانه: " الفلاحة"، ويرد فيه إحصاء الأملاك العقارية الأرضية لكل من المسلمين الجزائريين وباقي العناصر، وأملاك الدولة، وأنواع المزروعات بحجم الإنتاج. ثم يحصى البحث الثاني نسبة الماشية، وأنواعها، وملاكها من الفئات المختلفة. وكذلك الصيد البحري وحجم انتاجه، ويشير أن أكثر الفئات المستفيدة منه هم الأوروبيون من الإسبان والإيطاليين لجهل المسلمين بالبحر والثروة البحرية. ثم يحصي المبحث الثالث حجم الإنتاج من المعادن وتعداد المناجم. ليقدم البحث الرابع استقراء لوضع الصناعة، بحجم الإنتاج فيها، وتنوعها، والفئات التي تشتغل فيها. وكما البحث الرابع يقدم البحث الخامس هو الآخر قراءة في وضع التجارة، والفئات التي تشتغل بها وحجم عائداتها، والمواد المتاجر بها. والبحث السادس يعنى بالطرق والمواصلات، فيقدم إحصاء لعددها وأنواعها وامتدادها.

ويختم الكاتب كتابه هذا بتبرئة ذمته وايفاءه لوعده في تعليم الشباب عن وطنهم وتاريخه، وعلومه، ووضعه، وعمارته، وقوانينه، والظلم الذي يعانيه تحت وطأة الاحتلال، كما ضمنه مجموعة من التوصيات والتي من أهما ألا يعتمد الشاب الجزائري في نهضته على غيره، وأن يخلص في خدمته لوطنه، ويحافظ على هويته. وعبر عن أمله في غد أفضل تبنيه سواعد الشباب الجزائري مكلل بحرية واستقلال.

← العودة إلى القائمة