الأدب، وسائل الإعلام، تكنولوجيات الإعلام والاتصال، والاستخدامات المؤسسية

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : اللغات والتعبيرات الأدبية والفنية

الإشكالية

لقد ظلّت علاقة الأدب بالواقع، عبر العصور، مثار نقاشات متعارضة. فالمقاربات المختلفة التي تناولت الظاهرة الأدبية، وبحكم تنوّعها، اختلفت في عدة جوانب، من بينها: المحتوى والشكل، المؤلف والأسلوب، الوظيفة الاجتماعية والبعد الجمالي، المرجعية أو الإيهام، الصدق أو التخييل، وغيرها. وقد نُظر إلى الأدب، منذ آلاف السنين، إمّا من زاوية انخراطه في المجتمع والتاريخ، وإمّا من زاوية ارتباطه بالمتعة الجمالية. وكلما تعمّقنا في تحليل الظاهرة الأدبية، برزت أسئلة جديدة تستدعي إجابات.

وقد شدّدت سوسيولوجيا الوقائع الأدبية، ولا سيما عند لوسيان غولدمان، على العلاقة بين المؤلف بوصفه فاعلًا اجتماعيًا يحمل رؤية للعالم تعبّر عن مصالح جماعته الاجتماعية المحددة، من جهة، وبين التحليل المحايث أو البنيوي للنص من جهة أخرى، الذي كان يختزل النص في تنظيمه الداخلي فقط. وكان لا بدّ من الانتظار طويلًا إلى أن تُطرح مسألة القراءة أو التواصل الأدبي بشكل ملموس مع نظرية التلقي في سبعينيات القرن الماضي، التي أعادت النظر في تجاوزات النزعة التاريخانية والشكلانية.

وبالنسبة لمنظّري التلقي (رومان إنغاردن، فولفغانغ إيزر، ويانز روبرت ياوس على وجه الخصوص)، فإن الأدب لا يكتمل إلا بالفعل القرائي، أو من خلال الاستعمال الذي يُخصَّص له، أي من خلال «استهلاكه».

إن مفهوم «الاستهلاك الأدبي» يثير عدة تساؤلات، في مقدمتها قضايا الإبداع والتوزيع، والوساطة الثقافية، والدافعية إلى القراءة وتعلّمها. كما تشارك عدة مؤسسات وجهات فاعلة في تفعيل هذه الممارسة الثقافية، من بينها الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمؤلف، والناشر، ومهنيّو الإعلام وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، وغيرها.

وما يهمّنا في هذا المشروع البحثي هو المكانة التي تحتلها الأدب في بلدنا، والوسائل المعتمدة من أجل ترقية هذا المجال. فقد شكّل هذا الجانب دائمًا مرحلة أساسية بالنسبة إلى الفاعلين في هذا النشاط الفني. فالناشرون، والمؤلفون، وأمناء المكتبات، ومهنيّو الإعلام وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، إضافة إلى القرّاء، ينخرطون بطريقة أو بأخرى من أجل منح الكتاب الأدبي وجودًا وحياة معيّنة. فالكتاب الأدبي، بوصفه منتجًا ثقافيًا، ولا سيما الجنس الروائي (موضوع هذا المشروع)، لا يمكن أن تكون له قيمة أو أهمية إذا لم يُقرأ ويُدرس، أو إذا لم يُستهلك بطريقة ما بوصفه «سلعة رمزية». إن التفاعل بين مختلف الفاعلين المذكورين هو الذي يمنح الأدب عمومًا، والرواية على وجه الخصوص، قدرًا من الظهور. ولا يتحقق هذا الظهور إلا من خلال تضافر عدة أفعال تتخذ من التواصل مبدأً لها. ولا تزال قنوات ووسائط الإعلام التقليدية (الصحافة المكتوبة، الإذاعة، التلفزيون، وغيرها) تؤدي دورًا في ترقية الكتاب الأدبي، غير أن ظهور تكنولوجيات الإعلام والاتصال أحدث تحوّلًا عميقًا في الممارسات الثقافية والوساطات، بإدخال أبعاد تواصلية جديدة.

إن موضوع هذا البحث (الأدب، الإعلام، تكنولوجيات الإعلام والاتصال، والاستعمالات المؤسسية) يضعنا أمام عدة إشكاليات مرتبطة باختلالات تنفيذ السياسة الثقافية في البلاد، وبالممارسات الثقافية في أحد أهم تجلياتها، ألا وهو قراءة الكتاب الأدبي. كما يبرز، في هذا السياق، التفاوت بين استهلاك السلع المادية واستهلاك الكتاب الأدبي بوصفه منتجًا ذا دلالة مزدوجة (مادية ورمزية).

وتتعدد أوجه القصور في قطاع الكتاب في الجزائر (عدم التحكم في الطلب على القراءة، ضعف الاستثمار في القطاع، غياب التسيير الملائم لدى الناشرين، هشاشة شبكة المكتبات، النقص في التكوين في مهن الكتاب، وغيرها)، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول الجهود التي تبذلها السلطات العمومية، ولا سيما وزارة الثقافة، لترقية الكتاب (تنظيم الصالون الدولي للكتاب بالجزائر، مشروع قانون الكتاب، الأنشطة داخل دور الثقافة على مستوى الولايات، وغيرها)، فضلًا عن المبادرات الخاصة، مثل تنظيم الصالون الوطني للكتاب من طرف النقابة الوطنية لناشري الكتاب.

فهل تُعدّ هذه الجهود والمبادرات كافية لإعادة بعث ديناميكية حقيقية في القطاع، وإرساء قواعد تنظّم مجال صناعة الكتاب وتداوله التجاري بما يخدم جميع الفاعلين في هذه الممارسة الثقافية (المؤلف، الناشر، الموزّع، بائع الكتب، القارئ)؟

كما أن الطابع الفتيّ للسكان، والتوسع الحضري والنمو الديمغرافي المتسارع، واتساع الرقعة الجغرافية، وتعميم التعليم، تدفعنا بدورها إلى البحث في أسباب هذا التفاوت بين الاستهلاك «المادي» والاستهلاك «الرمزي». فهل هو مجرد إشكال بيداغوجي، أم قضية أوسع تتعلق بالوساطة والتواصل والترقية التحريرية؟

تشكل الإنترنت، والجيل الثالث، والتلفزيون، والإذاعة، والصحافة المكتوبة محاور أساسية في الوساطة بين قطبي إنتاج الكتاب واستهلاكه. وما يهمنا في هذا المشروع هو العلاقة بين أدوات ترقية الكتاب الأدبي (حفلات البيع بالتوقيع، المواقع الإلكترونية، المدوّنات، تقديم الكتب الأدبية في وسائل الإعلام التقليدية)، والتسيير الإعلامي الذي يعتمده الناشرون والمؤلفون وسائر الفاعلين من أجل إتاحة هذا المنتج وجعله مرئيًا بغرض القراءة أو الاستهلاك الرمزي. فالكتاب الأدبي، بخلاف الكتاب الوظيفي (المدرسي، شبه المدرسي، والجامعي)، يطرح إشكالات عديدة تتعلق بـ«نفعه»، وسعره، وجودة طباعته أو محتواه.

وعلى الرغم من تزايد عدد دور النشر الخاصة في السنوات الأخيرة (حوالي 400 دار نشر)، وإنشاء مجلس وطني للكتاب والقراءة سنة 2009، فإن ترقية الكتاب لا تزال تواجه صعوبات، بسبب ضعف الشبكة الوطنية للمكتبات (حوالي 200 مكتبة)، و«لامبالاة» وسائل الإعلام إزاء الوقائع الأدبية، إضافة إلى العراقيل البيروقراطية التي تواجه المطابع في تحديث تجهيزاتها واستيراد المعدات والمواد الاستهلاكية اللازمة.

وللتخفيف من هذه النقائص الناتجة عن تراجع دور الدولة لصالح النشر الخاص منذ سنة 2000، تعتزم وزارة الثقافة إنشاء 1000 مكتبة عمومية، إلى جانب إجراءات أخرى.

كل هذه المعطيات تدفعنا إلى طرح فرضيات تتعلق بنقائص التكوين في مهن الكتاب (إن وُجد)، وبإنجاز أو عدم إنجاز دراسات السوق من طرف الناشرين، وبالقصور في تطبيق أساليب التسيير التحريري والتسويق الثقافي، سواء في القطاع العمومي أو الخاص، فضلًا عن لامبالاة وسائل الإعلام تجاه الكتاب الأدبي. وتقودنا هذه الطروحات إلى دراسة الممارسات والاستعمالات التي يعتمدها الفاعلون والمهنيون في مجال الكتاب الأدبي (وخاصة الرواية)، إلى جانب مهنيي الإعلام وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، من أجل ترقية الأعمال الأدبية وإبراز مؤلفيها. فما هي وسائط التواصل المستعملة لتداول المنتجات الأدبية؟ ومن هو الجمهور المستهدف؟ وما مدى تأثير هذه الوسائط في القارئ؟

إن هذه الأسئلة (وغيرها مما سيظهر أثناء إنجاز المشروع) ستكون محور هذا البحث، الذي سيمتد ليشمل مختلف وسائل الإعلام التقليدية (الصحافة، الإذاعة، التلفزيون) وتكنولوجيات الإعلام والاتصال. وستُحلَّل هذه الوسائط من حيث آليات عملها وتأثيرها في ترقية الكتاب الأدبي. كما ستُخضع حالات خاصة للدراسة (البرامج الأدبية الإذاعية والتلفزيونية، الملاحق والصفحات الثقافية في بعض الصحف، المواقع الإلكترونية، المدوّنات، وشبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما فيسبوك). وسيُنجز عمل ميداني، مكمّل بتحليل وثائقي، لتحقيق أهداف هذا المشروع البحثي.

ويُعدّ هذا المشروع امتدادًا لمحور من محاور البرنامج الوطني للبحث (PNR) المعنون بـ«الرواية الجزائرية: المقروئية والنشر، 1990–2010»، الذي أشرفتُ عليه مع فريقي، حيث سيتم تعميق النتائج الأولية المتوصل إليها في هذا الإطار.

وقد استفاد هذا الموضوع من عدة أبحاث في الجزائر، غير أنها بقيت متفرقة في مقالات أو مؤلفات جماعية أو مقالات صحفية؛ ومن بين الباحثين الذين تناولوه نذكر: محمود بوعايد، حاج ميلاني، عبد القادر عبد الإله، وغيرهم.

← العودة إلى القائمة