تمثلات الفاعلين للكتاب المدرسي (الأستاذ، ولي التلميذ)

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : المدرسة وفاعليها
الملخص

شروع البحث المقترح هنا يدور حول موضوع يزداد أهمية في الساحة العلمية والإعلامية، وهو المنهج المدرسي. في الواقع، أصبح تعليم الأطفال داخل المجتمع الجزائري موضوعًا تُبنى حوله الكثير من الخطابات. من بين هذه الخطابات، نجد تلك المتعلقة بالبرنامج الدراسي والمنهج المدرسي، والتي نعتزم التحقق منها في هذا البحث لدى شريحة المعلمين وأولياء أمور التلاميذ للسنة الخامسة ابتدائي، في مدارس بمدينة وهران التي سيتم تحديدها لاحقًا. وسيتم ذلك من خلال دراسة نوعية مدعومة بأدلة المقابلات المخصصة لكل من الفئتين المستهدفتين للاستجواب.

الإشكالية

المدرسة كانت و لا زالت من بين اهم المواضيع التي تطرح نفسها بشكل متكرر بين الانشغالات البحثية، و التي في كل مرة تحظى بالأولوية نظرا لمكانتها بالنسبة للمجتمع، هذا الاخير يتغير بشكل يومي مواكبة للكم الهائل من الاكتشافات العلمية و التطورات التكنولوجية، اذ يجد الانسان نفسه ملزما هو الاخر بمواكبة هذه التغيرات وتحديث طرق التلقين و التعلم لأعداد اجيال تصنع الحداثة، من هنا نفهم احد الاسباب التي تجعل المدرسة دائما تحت مجهر البحث العلمي، ان السعي لخلق مستقبل زاهر لعله يبدئ اولا من نقطة واحدة و وحيدة و هي النظام التعليمي: دراسته و تعديله بما يوازي التغيرات الجديدة و يصنع جيلا يمكنه ان يبدع و يفهم مبدئيات التكنولوجيات الحديثة، لتحقيق ذلك وضع المنهاج المدرسي الذي يعتبر خارطة طريق يستعين بها المعلم في تلقين العلوم و مادة علمية اولية يبني عليها المتعلم قاعدته العلمية و معارفه المتشعبة، كما يعتبر مرجعا اساسيا لأولياء التلاميذ الذين يعتمدون عليه في دعمه لأبنائهم اثناء حصص المراجعة بالبيت. يأتي الاصلاح للمنظومات التربوية غالبا بالتركيز على مضمون المنهج الدراسي و تغيره لجعله يتواكب مع التطورات المعرفية العلمية، مع مراعات قدرات و استعدادات التلميذ في كل سنة دراسية حسب سنه و بيئته ايضا، قد يكون المنهاج الدراسي هو الركيزة الاساسية للتدريس لكن اذا ما تعمقنا في سيرورة عملية التعليم و التعلم سنجد ان الكتاب المدرسي هو اللب الذي تبنى عليه هذه السيرورة.

الكتاب المدرسي هو مؤلف تعده المؤسسات الفاعلة تحت وصاية وزارة التربية و التعليم الوطنية، و وظيفته تنحصر في نقل المعارف مع الاشارة الى ان محتوى الكتاب يكون حسب تخصص المادة المعد لها و السنة الدراسية ويكون معمما، اذا هو صيغة لمعارف وقيم و جدت من طرف هيئة معينة ترى ان هذه الصيغة هي المثلى لتحقيق اهداف البرنامج الدراسي، يمكن القول ان الكتاب المدرسي يعتبر وثيقة مطبوعة (Imprimé) يستعملها التلميذ اثناء سيرورة تعلمه، فهو اذن بمثابة اداة يدوية (Manuel) قبل ان يكون اداة فكرية، ضرورية للمتعلم تلازمه بشكل يومي، و الكتاب المدرسي وجد ليكون ضمن منظومة مؤسساتية ديداكتيكية بهدف الاستعمال الذاتي لكل تلميذ[1]. للكتاب المدرسي فوائد تربوية كثيرة فهو وسيلة من الوسائل التعليمة القاعدية التي تصاحب الحصة التعلمية و المعتمدة من طرف كل من المعلم والتلميذ، اذ انه يشغل مجموعة من الأدوار كتلقين القيم الكامنة في مرحلة التعليم نذكر منها: (قيم الهوية، الحياة الجماعية والتضامن، الديمقراطية وما يرتبط بها من حوار وتسامح ومسؤولية)، إضافة لأهمية كونه يجعل التلميذ يتعرف على العالم الخارجي والمحيط، بالإضافة الى التعريف بالمجتمع المدني و فاعليه.

عنيت السيرورة التعليمية(معلم – متعلم) بعناية كبيرة و على اثرها تطورت الدراسات التي تهتم بالمناهج الدراسية حتى اصبحت علما قائما بذاته منذ فترة زمنية غير بعيدة، حيث يحاول الباحثون في هذا التخصص التعقيب عن محور جوهري متمثل في ايجاد كل ما يربط بين الفكر التربوي و اثار تطبيقه على المتعلم و كيفية ممارسته و كيفية وضع مناهج تربوية من شانها توجيه كل من المعلم و المتعلم، و عليه نلاحظ تعاقب الايام الدراسية و المؤتمرات التي تهتم بهذا الموضوع خاصة في الجزائر. يرى المهتمين بهذا التخصص ان الطريقة المثلى للرفع من مستوى التعليم هي الاهتمام الممعن بالمناهج الدراسية، فتطوير التعليم مرتبط بتطور المناهج التي يجب ان تكون حظيت بدراسة معمقة ومطولة من طرف مختصين في عدة مجالات انطلاقا من منظرين في علم التربية، الى مختصين في علم النفس المعرفي الى مختصين لغويين و ممارسين للتعليم ... الخ. على اثر الدراسات والبحوث شهدت المناهج التربوية في السنوات الاخيرة عدة تغيرات سواء من حيث الحجم الساعي، المواد المدرسة وكذلك حجم المعلومات المدرسة، وعليه اصبح البرنامج الدراسي و مناهجه الشغل الشاغل للكثير من الاطراف، الامر الذي احدث جدلا واسعا في وسط الاسر التربوية ولدى الاولياء ايضا، هذا الطرف الاخير دخل بشكل تدريجي لحيز السيرورة التعلمية (معلم- متعلم)، حيث اصبح ولي التلميذ ملزما بمراقبة طفله في ادائه لواجباته المنزلية و تدعيمه في تلقن الدروس. عملية تطوير المناهج الدراسية كانت سابقا تقتصر على تنظيم مجموع المفاهيم والمعارف والافكار التي نريد تلقينها للتلميذ وكانت تنتقل من الجزء الى الكل، اما المفهوم الحديث لعملية التطوير تعدى في مجمله الاقتصار على تطوير المناهل في هذا المستوى لتصبح شاملة، واصبح يخطط للاستراتيجيات المناسبة للتدريس ووسائل التدريس مع الاخذ بعين الاعتبار التكنولوجيات الحديثة، و كذا نظام الادارة المدرسي والكتاب المدرسي مع مراعات بيئة التلميذ وقدراته واصبح ينتقل من الكل الى الجزء. الهدف من تطوير المناهج الدراسية هو تحقيق جملة من الاهداف التربوية بطريقة سلسة تراعي الجهد والتكلفة ايضا[2]، حيث لم يعد الكتاب المدرسي يهم المعلم و المتعلم فقط، بل اصبح ايضا محور اهتمام الاولياء، الذين مع زيادة نسبة الوعي وارتفاع مستوى التعليم في الجزائر اصبحوا مضطرين الى المساهمة في عملية التعليم داخل البيوت، والحاق ابنائهم بالدروس الخصوصية مع مراقبة مستمرة لمستواهم الدراسي. ففي السنوات الأخيرة لوحظ ظهور الحصص التدعيمية الخصوصية وانتشارها التي تبدو انها اصبحت تنهك الطفل والاولياء ولكنها ومع ذلك ضرورية لتحقيق النجاح الدراسي.

تجدر الاشارة الى ان المنهاج الدراسي ليس هو الكتاب المدرسي، فالأول شامل لطرق ووسائل التدريس بينما الكتاب المدرسي يعد احد وسائل نقل المعرفة، فاذا المنهج عام وشامل والكتاب جزء من المنهج، ونستدل بهذا التعريف، يعطي سعيد نافع تعريفا حديثا للمنهج فيقول انه: "مجموعة الخبرات التربوية الاجتماعية والثقافية والرياضية والفنية والعلمية... الخ التي تخططها المدرسة وتهيؤها لطلبتها ليقوموا بتعلمها داخل المدرسة او خارجها بهدف اكسابهم انماط من السلوك نحو الاتجاه المرغوب، ومن خلال ممارستهم لجميع الانشطة اللازمة والمصاحبة لتعلم تلك الخبرات لنساعدهم على اتمام نموهم"[3].

تعددت الوظائف [4] التي يقوم بها الكتاب المدرسي داخل سيرورة العملية التعليمية – التعلمية فهي كثيرة و متشعبة، يمكن الاشارة اليها بإجاز في كون الكتاب المدرسي له وظيفة اكاديمية: تتمثل في نقل المعارف (شرحها و تثبيتها)، له وظيفة بيغوجية بما انه وسيلة تعلمية، بالإضافة الى الوظيفة المؤسسية، انطلاقا من هذه الاهداف تبرز اهمية الكتاب المدرسي ولهذا نجد ان عملية تطوير الكتاب المدرسي تخضع لمجموعة من الضوابط وتضع اهداف تصبوا الى تحقيقها ناهيك عن اهمية اختيار نخبة من المؤهلين للتنظير والتقويم والمقارنة، وذلك كله من اجل ان يكون الكتاب يستجيب لمجموع المطالب التي ينتظرها منه كل من الهيئة الوصية، المدرسين، التلاميذ واولياء التلاميذ. علينا ان ندرك اهمية الكتاب المدرسي وان ندرك اولا اهميته بالأخص عند التلميذ والمدرس، وعليه من المفروض نستطلع اراء المدرسين وتمثلاتهم ومبتغاهم من الكتاب المدرسي وتصورهم له.

استنادا على ما سبق ذكره فقد تم التساؤل بناء على ملاحظتنا الدائمة لأولياء التلاميذ الذين يرون أن المنهاج يحوي الكم الهائل للمعارف في الكتب الدراسية و التي تتصف بتعقدها و كثرة المواد الدراسية خاصة في الطور الابتدائي، حتى انهم احيانا يقولون انهم وقفوا عاجزين امام بعض الدروس التي تعذر عليهم تفسيرها لأبنائهم، نفس الامر يحدث مع المدرسين الذين ربما اصبحوا يركزون على الدروس المتواجدة في الكتاب المدرسي، فبناء المذكرات والالقاء ونوعية الامثلة المعطاة للمتلقين من المتمدرسين تقتضي استعمال الكتاب المدرسي كمرجع اولي. نجد ايضا ان التلميذ يعنى بالكتاب المدرسي و محتواه فالعلاقة التي تربطه بكتابه يجب ان تكون بناءة و محفزة حتى يحب التعلم وليس العكس، هذا الجدل المعاش في اوساط المدرسين و التلاميذ واوليائهم لابد من تسليط الضوء على جزء منه على الاقل، اندراستنا هاته ستهتم بتمثلات الاستاذ للكتاب المدرسي، وهذه التمثلات قد تكون محايدة و قد تكون إجابيه او سلبية، و لكن ما يهمنا نحن وهذا ما نهدف اليه هو رصد كل التمثلات المتعلقة بالكتاب المدرسي و ابراز كيف ينظر الاساتذة الى الكتاب المدرسي الخاص بمادته من حيث النجاحة و البناء، بمعنى اخر سنحاول معرفة قناعتهم بهذا الكتاب الذي وجد لتكوين جيل مشبع بالقيم والكفاءة، فهل اذا هذا المرجع يلبي الحاجة التي وضع لها ام لا؟، هذا من جهة ومن جهة اخرى نرمي من خلال هذا البحث معرفة الجانب الكيفي في استعمال الكتب المدرسية واوقات استعمالها، فمن المهم تبيان متى وكيف يستعمل الاستاذ الكتاب المدرسي في أداء عمله سواء اثناء التحضير للدروس من خلال اعداد المذكرة أو اثناء القاء الدرس، اذ سنحاول التعرف على تمثلاتهم عن الكتاب الدراسي وطرق استعماله من خلال هذه الدراسة منطلقين من التساؤلات التالية:

- ما طبيعة تمثلات المدرسين و اولياء التلاميذ حول الكتاب المدرسي للسنة الخامسة ابتدائي؟

- ما طبيعة الممارسات المتعلقة بالكتاب المدرسي للسنة الخامسة ابتدائي لكل من المدرسين و اولياء التلاميذ؟

- في ما تتمثل اهم المعارف المكتسبة من الكتاب المدرسي للسنة الخامسة ابتدائي حسب الاستاذ؟

يمكن ان تحصر استعمالات الكتاب من طرف الاستاذ في القسم في تحديد التمارين التي تعتبر واجبات منزلية، بما أن المنهاج لا يفرض على المدرس ان يبرمج الدرس بالموازات مع الكتاب بل يجب ان يتبع المنهاج المدرسي، و قد يستعمل الكتاب من طرف اولياء التلاميذ في مساعدة التلميذ لحل الواجبات مع الرجوع له لإعادة شرح الدرس اذا لم يستوعبه التلميذ، اما التمثلات فلا يمكن ان نفترض طبيعتها خول المحتوى الا بعد القيام بالبحث الميداني.

نرتئي ان تشمل عينتنا كل من المدرسين و اولياء التلاميذ و بالأخص للسنة الخامسة ابتدائي، سيشمل البحث مدرسة او اكثر في ولاية وهران، وذلك ما بين السنتين الدراسيتين 2023/2024 و 2024/2025، بالتالي هي عينة مقصودة و محددة، اخترنا كوسيلة لجمع المعلومات المقابلة النصف موجهة من اجل تحصيل المعطيات التي نهدف اليها من خلال هذه الدراسة مع ترك فسحة للمبحوثين في اعطاء تصورهم لما ينبغي ان يكون مثاليا كمنهج دراسي في نظرهم و كفحو ممتاز للكتاب المدرسي. بعد جمع المعطيات من ميدان البحث سنعتمد على المنهج التحليلي في تحليل البيانات، حيث ان الهدف من هذه الدراسة هو ابراز التمثلات و طرق الاستعمال للكتب والمناهج الدراسية ومحاولة رصد تصورهم عن الكتاب المدرسي المثالي و صفاته.

[1] عبد الحق منصف، الكتاب المدرسي و النقل الديداكتيكي: بين انتاج المعارف المدرسية و اعادة انتاج القيم و الايديولوجيا الاجتماعية، مجلة دفاتر التربية و التكوين، العدد 3، 2010، ص 37.

[2] محمد السيد علي، اتجاهات و تطبيقات حديثة في المناهج و طرق التدريس، دار المسيرة للنشر و التوزيع و الطباعة، الطبعة الاولى، عمان- الاردن، 2011، ص 24.

[3] نافع سعيد، نموذج مقترح لتطوير منهج التاريخ بالصف السابع من التعليم الاساسي، المؤتمر العلمي الرابع للجمعية المصرية للمناهج و طرق التدريس نحو تعليم اساسي افضل، 1992.

[4] F. Richaudeau, Conception et production des manuels scolaires, Ed, Unesco, 1979, p 53-54.

← العودة إلى القائمة