الكتابات الأدبية والتاريخية الإسبانية عن الجزائر ما بين القرنين 16 و18 من خلال ترجمة مقالات الأستاذ الراحل أحمد أبي عياد

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : اللغات والتعبيرات الأدبية والفنية

الإشكالية

يجد الباحث لتاريخ الجزائر الحديث كتابات عن توافد العديد من الحضارات القديمة والعريقة على السواحل الجزائرية، لا سيما مدينتي وهران والجزائر اللتان تعدان من أعرق المدن الحضارية القديمة. فهناك الكثير من الثقافات التي شكّلت هويتها، ولعل أشكال المباني والعمارة فيها ( المساجد، والكنائس، والمقابر، والأضرحة، والمغارات...) ما بين التصميم الفرنسي والاسباني والعثماني؛ تُظهر أنّ فئات مختلفة من الشعوب قد عمّرت هذه المدن، والتي نطقت العديد من اللغات بما فيها اللغة الصابر franca )lingua).

وتتمظهر هذه الثقافات في كتابات الأوربيين والإسبانيين بشكل خاص- من رحالة وقناصل وتجار وجواسيس وأسرى عاشوا في الجزائر فترة من الزمن - جسّدت الحضور التاريخي والأدبيلوهران والجزائر ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وهو الزمن الذي كانت فيه وهران تحت الحكم الاسباني، والجزائر إيالة عثمانية، ممّا أتاح للعديد من الكتّاب الإسبان فرصة تدوين أعمال شعرية ونثرية وثّقتلهذه الفترة التّاريخيّة الهامّة. و عليه؛ جاء اهتمام أساتذة وطلبة اللغة الإسبانية في جامعة وهران للاستفادة من الأرشيف الوثائقي الذي كان متواجدا في مكتبات العاصمة الاسبانية مدريد، و المتعلّق بتدوين فترة الاحتلال الاسباني لمدينة وهران.

ولعلّ عملية البحث التاريخي هذه التي مسّت مختلف مدن الوطن، تُظهر بوضوح مدى اهتمام هذا البلد بمعرفة تاريخه بشكل أفضل من خلال تدوين الأحداث الرئيسية التي ميزته. و لهذا تمّ عقد العديد من المؤتمرات الوطنية والدولية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، وكان هذا في ولايات عديدة من الوطن، نذكر منها الملتقى الموسوم بـ: "جيجل، تاريخ وآثار"، و "الذكرى 135 لمعركة المقطع"، كما حظيت مدينة وهران بحصة الأسد من هذه الملتقيات. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الكتابات المتعلقة بمدينة وهران وتاريخها، والجزائر وأمجادها؛ قد تم تأليفها بهدف إفادة الباحثين والمتخصصين بشهادات، ومعلومات، وتفاصيل حول مختلف الأسئلة المتعلقة بالذاكرة الوهرانية والجزائرية.

ولما كانت الترجمة هي الجسر الواصل بين الشّعوب والحضارات و الثقافات و الأمم؛ نقترح بدورنا ترجمة مجموعة من المقالات القيّمة للأستاذ الدّكتور الرّاحل "أبي عيّاد أحمد"، والتي نشرها من قبل باللغتين الإسبانية والفرنسيّة في أعداد متنوّعة من المجلات الوطنيّة والأجنبيّة خاصّة الإسبانيّة منها، في الوقت الذي تعاني فيه الجزائر من قلّة الإنتاج الترجمي بسبب تشتّت الجهود والأعمال الفرديّة في هذا المجال. وقد وقع اختيارنا على نصوص من اللغتين الاسبانيّة والفرنسيّة لترجمتها إلى اللغة العربيّة. كما أنّ هذه المقالات تعدّ مرجعا هامّا لطلبة الأدب و اللغات و التاريخ و الأنثروبولوجيا، نظرا للزّخم المعرفي الذي تحتويه، ومدى أهمّيتها للقارئ العربي، بوصفها وثيقة هامّة في التاريخ و الثقافة و الأدب، خاصّة و أنّها تناولت القضايا الثقافية و الاجتماعية للجزائر في فترات تاريخيّة هامّة. و لا شكّ أنّ هذا العمل التّرجمي سيثري المكتبة الجزائرية والعربيّة على حدّ سّواء، و سيسهم في استدراك النّقص وسدّ الحاجة الملحّة إلى هذا النّوع من المعلومات و المعارف. ونضع بين أيدي القرّاء ملخصا للمقالات التي اخترناها:

يرجع بنا البروفيسور أبي عياد إلى حادثة قصف الإسبان لمدينة الجزائر سنة 1775م، وتصدّي هذه المدينة الغالبة في الفترة التي كانت فيها الجزائر تحت الحكم العثمانيوعهد الباشوات و إيالة الجزائر، ليستحضر أحداث تاريخية، لعل أبرزها هجوم "حسن باشا" نجل الأميرال البايلر باي "خير الدين بربروس" من أجل تحرير مدينة وهران و المرسى الكبير من الاحتلال الاسباني، وعن أثر هذه الحروب على الكتابات الأدبية المشتركة بين إسبانيا والجزائر. إذ جاءت معظم النصوص النثرية والشعرية العربية في تلك الفترة لمدح حسن باشا والتغنّي بانتصاراته وتمجيدها، على غرار أشعار ابن مريم، وعبد الرحمن بن محمّد بن موسى، وذلك بهدف حثّه وتشجيعه على مواصلة الهجمات وشنّ الحرب وتحقيق الانتصارات على الإسبان المسيحيّين، وكانت تحمل هذه الأبيات في طيّاتها إيحاءات دينيّة تنادي للجهاد ضد الاحتلال، حيث أنّ بعضا منها اُختُتم بالدّعاء بالنّصر للفاتح حسن باشا.

يكتسيمقال "القصف الإسباني على إيالة الجزائر سنة 1783م و1784م من خلال بعض المصادر الأدبية الإسبانية" أهمية كبيرة؛حيث درسفي ثناياه الإشكالية التي مثلتها إيالة الجزائر كونها قلعة دفاعية للإسلام ضد الغارات والحملات النصرانية والإسبانية وعلى وجه الخصوصقصف ديغو دي فيرا سنة 1516م وهوغو دي مونكادا سنة 1518م وانتكاسة الإمبراطور كارلوس الخامس على أسوار الإيالة سنة 1541م، وكذلك صدّها الحملات الأوروبية الأخرى كالفرنسية والدنماركية، وإضافة إلى هذا؛ تكمن أهمية هذا المقال في تطرق صاحبه لأحداث القرن الثامن عشر كقضية إبرام معاهدة صداقة وتعاون تجاري بين الإيالة والباب العالي سنة 1782م؛ الأمر الذي منح مدينة الجزائر مكانة راقية وقوية واستراتيجية في البحر المتوسط، خاصة عند صدها لحملة أوريلي سنة 1775م ، وقصفي بارسيلو سنة 1783م و 1784م، إلى أن احتلتها فرنسا سنة 1830م؛ حيث كان للمصادر الإسبانية التي ذكر ت الأحداث المسرودة أهمية كبيرة استغلها المحتل لغزو الجزائر.

كون الحدث التاريخي الرئيس في هذه المقالات هو التواجد الإسباني في الجزائر ووهران في العهد العثماني؛ حتما ستصاحبه أحداث تاريخية أخرى وظواهر كتب عنها المؤرخون والأدباء والرحالة، ولعل أبرزها يتعلق بظاهرة القرصنة والأسر، وقد انتشر بكثرة عبر البحر الأبيض المتوسط ​​خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلادي زمن إيالة الجزائر -حين قامت البحرية العثمانية بهجمات عبر البحر الأبيض المتوسط ​​واستولت على سفن العدو- فكان يُؤسَر كل من على متنها، ثم ينقل إلى سجون مدينة الجزائر ليتم تسخيرهم في خدمات وأعمال مختلفة في حين انتظار افتداءهم. حيث وقع ميغيل دي سرفانتس(1575م-1580م) أسيرا، لتكون هذه التجربة شهادة حية لشاهد عيان عن ظاهرة الأسر في البحر المتوسط وما زامنها من أحداث تاريخية، وعاملا إيجابيا في تأليف العديد من الأعمال الأدبية.

في عام 1581م كلّف فيليبي الثاني ميغيل دي سرفانتس بمهمة سرية إلى مدينة وهران لزيارتها بصفته جنديًا وأسيرا سابقًا بالجزائر (1575-1580م). حيث كانت وهران في تلك الفترة ثغرا إسبانيًا، لتكون مصدر إلهام لسرفانتس ويصبح مؤلفا شهيرا . ومن بين الأعمال التي استوحاها من مدينة وهران نذكر الكوميديا ​​El gallardo español، التي تستحضر مرجعيا تاريخ حصار وهران والمرسى الكبير عام 1563م ووضع الجنود الإسبان إثر الهجمات المتكررة على حصون وهران لتحرير المنطقة،بصرف النظر عن الاشتباكات بين الجنود الإسبان والسكان الأصليين.، ويحضر المتخيل أيضا في سرد الكاتب لقصص الحب المتبادل بين المسيحيين والمسلمين، ليرمز للتسامح الديني الذي لم يكن سائدا في ذلك الوقت.

يتطرق الباحث في مقال: "الجزائر: مرحلة حاسمة في كتابات و فكر سرفانتس" إلى موضوع دفاع إيالة الجزائر عن الإسلام ضد الغارات والحملات النصرانية خاصة الإسبانية منها في القرن السادس عشر ميلادي مبينا دور البحرية الجزائرية في ذلك بأسر المسيح و الإسبان خاصة، مما جعل للجزائر مكانة راقية وقوية و استراتيجية في البحر المتوسط. و لكون الإيالة أرضا عاش بها سرفانتس أسيرا مدة خمس سنوات كاملة؛ كانت ملهمته لكتابة رواياته الجزائرية بعد افتدائه وتحريره. فإذا كانت التجربة الإيطالية بالنسبة له هي المرحلة الأساسية في بطولته البحرية؛ فقد تبين أنّ تجربة الأسر شكّلت أبعادا رمزية وأدبية من حياته الجزائرية وكانت حاسمة في تشكيلها ضمير الكاتب لأنها ساهمت بقوة في الجانب الأدبي والإبداعي. ولهذا؛ نجد الباحث يستشهد بأبيات شعرية وعبارات من كتابات سرفانتس ليبرز مكانة الجزائر التاريخية، لكسر الصورة السلبية و المشوهة، لكونها الأرض التي ألهمت وساهمت في تكوين شخصية سرفانتس كأسير افتداء وكاتب اهتم بسرد جانب من حياته خاصة، وأوضاع الجزائر في تلك الفترة بشكل عام.

هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية؛ يحاول الباحث استثمار النصوص الأدبية في دراسة جمالياتها وأبعادها ودلالات المكان والزمان فيها، مثلما هو الحال في مسرحية "الإسباني الشجاع" أو " el Gallardo Espagnol” لميغال دي سيرفانتس والتي يمكن عدّها من أبرز أعمال الأديب الاسباني الشهير عن وهران في العصر الحديث، وفي هذا المقال؛ تم عرض الفكرة الأساسية لهذه المسرحية التي تروي حدثا مهمّا من تاريخ وهران و مواجهاتها مع الاحتلال الاسـبـانـي عـقـب غـزو المرسى الكبير و وهران سنتي 1504م و 1509م. التي استوحاها ميغال دي سرفانتس من الصراع العسكري الذي دار بين الاسبان والسكان المحليين سنة 1563م؛ حيث قدم باي الجزائر بجيشه قصد تحرير الحصون المشددة من السيطرة الاسباني . و يرسم الكاتب تاريخا خياليا لعلاقة غرامية بين الأبطال في هذه الحقبة التاريخية التي عاشها ميغال دي سرفانتس مع أحد الأبطال الحقيقيين خلال بعثته إلى وهران سنة 1582م، وهو ما خلّد لنا هذه النصوص الرائعة التي تمثّل لنا وثيقة ذات قيمة كبيرة لدراسة تاريخ العلاقات الاسبانية الجزائرية.ومن جهة أخرى؛ يمثل عامل الزمن في هذا المقام بعدًا واسعا ومتنوعًا، لأننا نضع أنفسنا في عدة مراحل تشمل تأليف هذه الكوميديا المتخيلة؛ حيث الخيال و أبطاله ينتمون إلى واقع وحقبة من التاريخ المحلي لمدينة وهران.

← العودة إلى القائمة