حقول الآداب الجزائرية المكتوبة (2010-2020). الفاعلون، المؤسسات والتشكلات

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : اللغات والتعبيرات الأدبية والفنية
الكلمات المفتاحية : أمازيغية المصير النقل الجماعي جامعة حقول أدبية صحافة عربية فرنسية مؤلفون ناشرون نقد وسائل إعلام

الإشكالية

يسعى هذا المشروع إلى تحديد و ترتيب و تصنيف و فحص التحولات المورفولوجية للإنتاج الأدبي الجزائري باللغات الثلاث: العربية و الأمازيغية والفرنسية، الصادرة بالجزائر و بمختلف مكوناتها، كما يرمي البحث، و وفق آليات تحليلية، تأسيس خريطة أدبية للفترة المدروسة خلال هذه العشرية(2010-2020). و يعتمد هذا المشروع على مجموع ما أنتجه سابقا أعضاء فرقة البحث وباحثون آخرون من دراسات و أبحاث حول الموضوع، كما سيتم اللجوء إلى ما تم انجازه من قواميس خاصة بهذه الآداب، وإلى مختارات أدبية و إلى مواقع إعلامية تهتم بهذا الموضوع، ...). و في هذا الصدد يمكن القول أن الكتابة الأدبية باللغة العربية قد انتعشت مع بداية التسعينيات و الألفية الواحدة و العشرين و بخاصة في مجال النشر. و إذا كان الأمر بالنسبة للكتابة الأدبية بهذه اللغة قد عرف تأخرا عن الظهور في الفترة الاستعمارية، و بخاصة في مجال الكتابة الروائية، بالمقارنة مع الكتابة باللغة الفرنسية، فأسباب ذلك تعود إلى

محاولات الإدارة الفرنسية الكولونيالية في التضييق و محاربة اللغة العربية و عزلها عن محيطها العربي، و قد كان الهدف من وراء تلك العمليات المتعددة و المتكررة، القضاء على كل المعالم الثقافية المرتبطة بهذه اللغة و تشجيع استعمال اللغة الفرنسية في كل المعاملات. هذا الضغط الذي واجهته اللغة العربية جعلها تنطوي على نفسها و تنزوي في الزوايا والكتاتيب القرآنية، وبالتالي تبتعد عن منجزات الأدب العربي الحديث و لا تستفيد مما أنتجه من إبداعات حداثية. و مع بداية العشرينيات من القرن الماضي، أي مرحلة نشأة الوعي الوطني و ظهور أحزاب وطنية تطالب بإعادة الاعتبار لهذه اللغة، و بخاصة جمعية العلماء المسلمين التي أسست العديد من المنابر الإعلامية و الثقافية، ظهرت بعض الأقلام لتبدع في مجال الشعر التقليدي على وجه الخصوص، و المقالة الأدبية وبعض النصوص الروائية. و مع حصول الجزائر على الاستقلال في الستينيات من القرن الماضي، قامت السلطة الوطنية آنذاك بتشجيع عملية التعريب و فتح المدرسة لجميع الفئات الشعبية، فيما سمي آنذاك بديمقراطية التعليم و مجانيته، و تأسيس منابر ثقافية و إعلامية تنشر كتابات جيل من الأدباء مخضرمين من أمثال الطاهر وطار و عبد الحميد بن هدوقة وعبد المالك مرتاض و غيرهم من الأدباء، إلى جانب أدباء جدد اقتحموا مجال الكتابة الأدبية بنصوص تسعى للتجديد على مستوى الخطاب و البنيات الفنية وأبدعوا في العديد من الأجناس الأدبية من شعر و مسرح و رواية. و انخرطت هذه الكتابات في الخطاب الرسمي لما حمله هذا الخطاب من مساعي للاستجابة لتطلعات الفئات الشعبية العريضة في العيش الكريم من خلال اختيار سياسي أساسه الاعتناء بالجوانب الاجتماعية لهذه الفئات التي حرمها الاستعمار من كل شيء. و ضمن هذا التوجه، عرفت الجزائر في السبعينيات من القرن الماضي بداية لتنمية اقتصادية وثقافية لم يُكتب لها أن تتبلور في نموذج اقتصادي و ثقافي قوي بسبب عدة عوامل سياسية و اقتصادية و ثقافية. و يأتي على رأس هذه العوامل الأحادية الحزبية واحتكار الدولة لكل النشاطات الاقتصادية والثقافية مما شكل عائقا أمام نشأة حقل أدبي مستقل عن مؤسسات الدولة، لكن هذا الوضع قد تغير بفعل الأزمة الاقتصادية في أواسط الثمانينيات و ما نتج عن ذلك من احتجاج شعبي عنيف ضد السلطة (أحداث أكتوبر 1988)، و هو الأمر الذي دفع بالسلطة الجزائرية إلى فتح المجال السياسي والإعلامي و الثقافي و التشجيع على الاستثمار في مجال النشر و التوزيع، فظهرت العديد من المنابر الثقافية و الإعلامية و تأسست العديد من دور النشر و برزت مجموعة من الأدباء يبدعون باللغة العربية الجدد منهم و من كانت لهم تجربة كبيرة وحضور قوي في الساحة الأدبية والإعلامية. و لعل الدور الذي لعبته الجمعيات الثقافية في إبراز هذه المواهب الشابة و تشجيعها على خوض غمار الكتابة الأدبية، له أهمية كبرى في مسار بناء حقل أدبي "مستقل" أو شبه مستقل. و لعل أهم هذه الجمعيات نذكر: "الجاحظية" و"الاختلاف" و أيضا "اتحاد الكتاب الجزائريين" في مجال النشر وإقامة الندوات الفكرية و الأدبية، مما مكن من التعرف على هذه الأقلام الناشئة و ترقية ما أنتجوه من نصوص. و مع بداية التسعينيات، عرف البلاد أزمة أمنية كبرى ذهب ضحيتها الآلاف من المواطنين و من مختلف الفئات الشعبية و المهنية. و في هذه الأجواء المكهربة حيث كان الصراع الإيديولوجي و العنف الإرهابي على أشده، أصبح الأدباء و الإعلاميون هدفا سهلا للجماعات المسلحة، مما تسبب في اغتيال العديد من المثقفين بسبب مواقفهم و أرائهم السياسية. و إثر ذلك ظهرت كتابة أدبية تعالج هذه الأوضاع و قد سمي هذا النوع من الكتابة تعسفا ب"الأدب الاستعجالي"، كان من أسمائه البارزة في حقل الرواية المكتوبة باللغة العربية، كل من بشير مفتي وحميد عبد القادر و ياسمينة صالح و غيرهم كثير...

مع نهاية التسعينيات و بداية الألفية الواحدة و العشرين، عرفت الساحة السياسية والثقافية هدؤوا نسبيا و استقر الوضع السياسي و الثقافي و زال الخوف إلى حد بعيد، مما مكن للحياة الثقافية من العودة إلى مسارها الطبيعي و الهادئ وبالتالي الانتعاش مجددا. و في ظل هذه الأوضاع السياسية و الثقافية و الاقتصادية الجديدة، بدأت تلوح في الأفق ديناميكية متنوعة وغنية بالمبادرات الخلاقة التي تسعى للرفع من شأن الكتابة الأدبية. فقد تم استحداث دور نشر أخرى أتت لتثري الحقل الأدبي الجزائري المتنوع لغويا. فالنشر الذي كانت تحتكره المؤسسة الوطنية للنشر و التوزيع "SNED" في السبعينيات وبداية الثمانينيات، قد عرف انفتاحا في أواسط الثمانينيات لكي يتواصل ذلك النشاط الثقافي و التجاري المتعلق بالكتاب الأدبي إلى أيامنا هذه. إذ شهد الإنتاج الأدبي في العقد الأخير من هذه الألفية(2010-2019) وفرة معتبرة من النصوص الأدبية التي يمكن تصنيفها من حيث مضمونها و من حيث بنياتها الفنية شاهدة على التحولات الاجتماعية و السياسية و الثقافية لمجتمع بأكمله. و هو المجتمع الذي أصبح المثقفون و الأدباء يلعبون دورا ذا أهمية بالغة، يمكن معاينته و فحصه بدقة. إذ لا تتوقف جهود هؤلاء عند الخلق والإبداع الفني و الأدبي، بل تتجاوز ذلك إلى طرح مسائل جد حساسة تتمثل في أشكال الكتابة و أساليبها و طرحها الإجناسي. و بغض النظر عن هذه الإشكاليات النظرية المتعلقة بالكتابة الأدبية التي قد تأخذ وقتا طويلا و تتعرض للبحث في عمليات كتابة النصوص الأدبية التي تتأصل في سياق سوسيو-تاريخي متحول قد تجعل البحث ينفتح على حقول معرفية أخرى، فإن الموضوع يقتضي منا التوجه إلى الجوانب الأكثر تأثيرا في الحياة الاجتماعية و الثقافية و السياسية من قبل الفاعلين والمؤسسات و ما يعرفه هذا الحقل الأدبي من تشكلات. و هو الأمر الذي يقتضي منا متابعة حثيثة لهذا النوع من التغييرات و التحولات التي طرأت على هذا الحقل الأدبي الجزائري ذي اللسان العربي، من حيث الإسهام في البناء الهوياتي المتجدد وهو ما يطرح حضور الادباء في العملية الثقافية و إسهامهم في توضيح المسار المجتمع في سياق سوسيو-تاريخي و ثقافي يتحول و يتفاعل مع محيطه الداخلي والعربي و الدولي باستمرار. فالحديث عن النصوص و عن مبدعيهم يدفع بنا للحديث عن فاعلين آخرين و هم رؤساء مؤسسات النشر و التوزيع و كذلك الحديث عن جهودهم في ترقية الكتاب من خلال تنظيماتهم المهنية و عن نشاطاتهم في تنظيم الفعاليات الثقافية المخصصة للكتاب بصفة عامة و الكتاب الأدبي منه على وجه الخصوص.

← العودة إلى القائمة