فضاءات التسلية وشغل أوقات الفراغ لدى الشباب بالمدينة الجديدة علي منجلي -قسنطينة -دراسة ميدانية لعينة من تلاميذ الطور الثانوي

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : الشباب والإدماج الاجتماعي: الشغل، التكوين والترفيه
الملخص

تتمحور إشكالياتنا الأساسية للموضوع على كيفية فهم أو تصور الشباب المتمدرس لأوقات الفراغ، وطرق شغل أوقات الفراغ باختلاف المتغيرات الاجتماعية كالسن والجنس و الاقامة و المستوى الاقتصادي والتعليمي للأسرة ...الخ، و ما يهمنا اكثر هو تحليل المعاني والتفسيرات التي يعطيها الشباب لسلوكياتهم في أوقات الفراغ والترفيه، في ظل تنشئة اجتماعية وخطابات متخوفة من الفراغ، لازالت تفرض نوع من الهيمنة والرقابة وتكون أحيانا كمعوقات تجلي استقلالية الشباب، وبالنظر الى الواقع الحضري المعيش، ستسلط دراستنا الضوء حول طرق استغلال أوقات الفراغ واشكالياته من جهة، و مدى توفر فضاءات التسلية والترفيه أو توفير خدمات التسلية و الدور الذي تلعبه الجمعيات والفاعلين الاجتماعين في مدننا وبالأخص بالمدينة الجديدة علي منجلي بقسنطينة التي هي ميدان دراستنا. سنعتمد على المنهج الكمي والكيفي، في جمع البيانات على عينة من الشباب المتمدرس في الطور الثانوي، وسيكون تحديد أوقات الفراغ منهجيا من خلال مقابلته بالوقت المهيمن من الناحية الكمية (وقت التمدرس)، الأمر الذي سيسمح لنا بتتبع ممارسات وأنشطة الشباب المتمدرس خلال أوقات الفراغ وما يمكن أن يعبرون عليه من وجهة نظرهم بأنه ترفيهي.

الإشكالية

يأتي اهتمامنا بموضوع شغل أوقات الفراغ والترفيه لدى الشباب من الأهمية ذاتها التي يتجلى فيها أهمية الوقت في أبعاده الاجتماعية المختلفة في حياة الأفراد بالأخص وقت الفراغ الذي أصبح كجزء من حياتنا اليومية هذا من جهة وباعتباره كأسلوب للتحليل والتفكير من جهة أخرى.

ان الاهتمام بالترفيه و وقت الفراغ كان ينصب ضمن اهتمامات علم الاجتماع ، وهو ما يعرف بسوسيولوجيا الترفيه أو سوسيولوجيا الفراغ La sociologie des loisirs والذي نال الاهتمام به مع بروز المجتمعات الصناعية ومفاهيم العمل، ونال انفصاله الى حد ما مع أعمال "جوفر ديمازديار " الذي بحث في الموضوع من خلال طرحه للتساؤل المشهور حول ما اذا كنا نتجه نحو حضارة الترفيه؟ [1].

أن البحث في موضوع الترفيه loisirs يجب أن يتبع بالتفكير حول وقت الفراغ، أو الوقت الحر، فمن ناحية اللغوية يحيلنا مصطلح "loisir "باللغة الفرنسية و (leisure) باللغة الانجليزية، الى اثنين من المعاني فقد يشير الى "الوقت الحر" و "وقت الفراغ "[2]، أو"loisirs"[3] ليقصد به " التسلية و الترفيه "، في هذا الشأن أشار "جون روبنسون" الى أنه من المهم أن نفصل بين الوقت الحر "free time " و "وقت الفراغ "leisure لأنه الى يومنا هذا يرجع مصطلح loisir الى فترة الوقت المخصص الى نشاطات ذات طبيعة تطوعية ومفضلة، بينما "الوقت الحر" يعزى الى نشاطات تعتبر أقل أهمية في الحياة اليومية.[4]

اصطلاحيا وقت الفراغ هو ذلك الوقت الحر والمتاح خارج الانشغالات والالتزامات المفروضة والذي يمكننا أن نتصرف فيه وفقا لاختياراتنا ورغباتنا، ففي قاموس علم الاجتماع يشير مصطلح " loisirs " الى تلك النشاطات التي يمكن ان نفصلها عن المهام العائلية و الواجبات البسيكولوجية أو المهنية[5].

هذه التعريفات، كانت محل نقاش نظري ضمن المقاربات الكلاسيكية لعلم الاجتماع سواء كان المنظور الوظيفي التي تناول العلاقة ما بين الفراغ و أوقات العمل و العائلة، أو المنظور الماركسي الذي ينظر للفراغ كوعي زائف للحرية، أو كوسيلة للطبقات الحاكمة للهيمنة على الاخرين خاصة في المجتمعات الرأسمالية، أو مقاربات تحليلية أخرى مع أعمال max kaplan التي قاربت مفهوم الفراغ بمفهوم " الترفيه أو المتعة plaisir " وبالتالي أصبح هناك رؤية أخرى للوقت يكون فيها الفرد حرا للتصرف خلافا عن المنظور الحتمي و المهيمن للنظريات السابقة.[6]

التحليل الذي اعطى للفراغ انفصاله عن منظور علم الاجتماع عامة و علم اجتماع العمل هو أعمال "جوفر ديمازديار "joffre dumazdier " الذي طرح مقاربة جدلية تأخذ في الاعتبار المحددات السوسيو-ثقافية و السوسيو-اقتصادية و السوسيو- سياسية في تفسير السلوكيات في أوقات الفراغ، و تأخذ بعين الاعتبار في نفس الوقت خصائص الفاعل الاجتماعي سواء كان فردا أو جماعة، فهو منظور يتجه لدراسة الفراغ كسلوكيات فردية محددة اجتماعيا ولكن تتجه وفقا لمنطق الفاعل.[7] فأوقات الفراغ (loisir) وفقا لرأيه "هي مجموعة الانشغالات التي يتفرغ لها الفرد وفقا لرغبته بعد التحرر من الواجبات المهنية والعائلية والاجتماعية[8].

أما وقت الترويح أو الترفيه فهو الوقت الذي يقضيه الانسان في ممارسة نشاط ترفيهي ينتج عنه سد أوقات فراغه وتطوير شخصيته[9]، ولكن أن المفهوم الحديث للفراغ، لا يعتمد على الفترات الزمنية التي يقضيها الفرد في العمل والراحة والاستجمام، و انما يعتمد على طبيعة النشاطات التي يمارسها في حياته اليومية.[10]

أن موضوع دراستنا فضاءات التسلية وقضاء أوقات الفراغ لدى الشباب، هو بحث تفرضه الاشكالية ذاتها من الناحية المفاهيمية والاصطلاحية، سواء تعلق ذاك بمفهوم الشباب واشكالياته كفئة في المجتمع، أو الأطر التي حددت من خلالها ما هية أوقات الفراغ من جهة أخرى، وبناءا على ما سبق ذكره وقت الفراغ هو الوقت الذي يمكن ان نحدده من خلال الأوقات الاجتماعية الأخرى المهيمنة (كوقت العمل مثلا)، أو تلك الفضاءات الاجتماعية التي يتحرر فيها الفرد من تبعاتها و اكراهاتها و أنماط الرقابة التي تمارسها عليه (كالمدرسة)، وبالتالي فان دراستنا لكيفية شغل أوقات الفراغ لدى الشباب المتمدرس، سيكون منهجيا من خلال مقابلة وقت الفراغ بالوقت المهيمن من الناحية الكمية (وقت التمدرس)، واختيارنا للمدرسة كمؤسسة نظرا لدورها في تنظيم أوقات اجتماعية أخرى،( وقت اللعب وقت العائلة ، العطل ...الخ ) الامر الذي سيسمح لنا بتتبع ممارسات وأنشطة الشباب المتمدرس خلال أوقات الفراغ وما يمكن أن يعبرون عليه من وجهة نظرهم بأنه ترفيهي.

اختيارنا لفئة الشباب المتمدرس (الطور الثانوي)، كون هذه الفئة من بين الشرائح الاجتماعية الأكثر انشغالا بكيفية قضاء أوقات فراغها، والأكثر طلبا للترفيه وفضاءاته، كما أنها مرحلة حساسة تتميز بالنمو وتكوين الشخصية، وهي مرحلة محور تركز أنماط الرقابة والضبط الاجتماعي من قبل مؤسسات التنشئة الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية.

ان إشكالياتنا الأساسية للموضوع تتمحور على كيفية فهم أو تصور الشباب عينة الدراسة لأوقات الفراغ، فهو مثلا بالنسبة للشباب العاطل عن العمل (كما جاء في دراسة "عبد القادر لقجع") يعد أكثر شيء قد يسبب الغضب لديهم،"[11]، وعليه تختلف السلوكيات وطرق شغل أوقات الفراغ باختلاف المتغيرات الاجتماعية كالسن والجنس و الاقامة و المستوى الاقتصادي والتعليمي للأسرة ...الخ، ولكن ما يهمنا اكثر هو تحليل المعاني والتفسيرات التي يعطيها الشباب لسلوكياتهم في أوقات الفراغ والترفيه، في ظل تنشئة اجتماعية وخطابات متخوفة من الفراغ مرادفة في نظرهم للخطر، وبالتالي نجدها لازالت تفرض نوع من الهيمنة والرقابة (الرقابة الاسرية والرقابة الدينية. المدرسية، المؤسساتية..الخ )، وتكون أحيانا كمعوقات تجلي استقلالية الشباب، في حين قد نجد الشباب يحاول ان يبحث عن مخرج من خلال بعض الممارسات في أوقات الفراغ، (سلبية كانت أو ايجابية) للتعبير عن أنفسهم كفئة في المجتمع، وعن احتياجاتهم وآمالهم وتطلعاتهم (ممارسات سياسية جمعوية، أو رياضية أو ثقافية...الخ)، أو هي تعبيرات بحثا عن الاعتراف[12]، فقد نجدهم يقضون وقتهم في فضاءات مختلفة على أرصفة الشوارع، أو في المقاهي أو مع العائلة أو يمارسون الرياضة واللعب أو يهتمون في أوقات فراغهم بما تقدمه وسائل الاعلام والاتصال والتكنولوجيا الحديثة وتطبيقات الهواتف النقالة والانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها، وبالتالي سنسلط في دراستنا الضوء حول طرق استغلال أوقات الفراغ واشكالياته من جهة، و مدى توفر فضاءات التسلية والترفيه أو توفير خدمات التسلية و الدور الذي تلعبه الجمعيات والفاعلين الاجتماعين في مدننا وبالأخص بالمدينة الجديدة علي منجلي بقسنطينة التي هي ميدان دراستنا.

أن الملاحظ في نتائج الدراسات الاجتماعية حول الشباب وأوقات الفراغ يجد ان هذا الأخير (وقت الفراغ) هو عامل متغير أو مستقل مفسر لمختلف المشكلات والظواهر الاجتماعية و التي يعتبر الشباب ضحيتها الأولى ( كالانتحار و الادمان على المخدرات و الجريمة والعنف...الخ) في حين أن هذه النتائج هي تكريس لاستمرارية مواضيع المعاناة والتهميش والقهر والبؤس، ولهذا البحث عن فهم الشباب للترفيه وكذا لأوقات فراغه و فضاءاته وأنماط مختلف الانشطة خلال هذا الزمن الاجتماعي فرديا أو جماعيا قد يضعنا أمام قراءة للموضوع من زاوية أخرى في سوسيولوجيا الشباب، وعلى الرغم من الأهمية البالغة لفضاءات التسلية والترفيه ومشكلات أوقات الفراغ ، الا أن واقع البحث العلمي المحلي يؤكد على عدم نيلها للاهتمام الكافي، وعليه جاءت هذه الدراسة العلمية للبحث في واقع فضاءات التسلية والترفيه وشغل اوقات الفراغ للإجابة على التساؤل الرئيسي التالي:

ما هي تمثلات و تصورات الشباب المتمدرس في الطور الثانوي لأوقات الفراغ و الترفيه، وماهي أشكال السلوكيات التي يقومون بها خلال أوقات فراغهم بالمدينة الجديدة علي منجلي؟

وقد اندرجت عن هذا التساؤل جملة من التساؤلات الفرعية على النحو التالي :

- ما هو واقع الخدمات الترفيهية وفضاءات التسلية في المدينة الجديدة علي منجلي ؟

- كيف يشغل الشباب المتمدرس بالمدينة الجديدة علي منجلي وقت فراغهم ؟

- ما نوع الانشطة والممارسات الترفيهية للشباب المتمدرس تبعا لمتغير الجنس ؟

- ما هي مشكلات وانعكاسات نقص فضاءات التسلية وشغل أوقات الفراغ لدى شباب المدينة الجديدة علي منجلي؟

- ما دور جمعيات المجتمع المدني والفاعلين الاجتماعيين في تقديم الأنشطة الترفيهية واستثمار أوقات الفراغ لدى الشباب في المدينة الجديدة علي منجلي؟

[1] Damazedier ,joffre .vers une civilisation du loisir ? paris Edition du seuil, 1962.

[2] https://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/loisir/47708

[3] https://www.linternaute.fr/dictionnaire/fr/definition/loisir/

[4] Gilles Pronovost, « Sociologie du loisir, sociologie du temps », Temporalités [En ligne], 20 | 2014, mis en ligne le 25 février 2015, consulté le 02 décembre 2019. URL : http://journals.openedition.org/temporalites/2863 ; DOI : 10.4000/temporalites.2863

[5] Rymond , Aron et autre . dictionnaire sociologie , larousse-border/HER, 1999, p 135.

[6] Samuel Nicole. L'approche sociologique de l'étude du loisir. In: Norois, n°120, Octobre-Décembre 1983. pp. 497-501. DOI : https://doi.org/10.3406/noroi.1983.4144 ; consulte le 25.11.2019 www.persee.fr/doc/noroi_0029-182x_1983_num_120_1_4144

[7] Ibid.

[8] Gilles ferréol, et autre. dictionnaire de sociologie, Armond colin, 3eme édition, p 100 .

[9] احسان محمد الحسن .علم اجتماع الفراغ . ط2 .دار وائل للنشر ، عمان . الاردن ، 2009 ، ص 64.

[10] نفس المرجع ، ص 60.

[11] Abdelkader LAKJAA ,La jeunesse Algérienne entre valeurs communautaires et aspirations sociétaires, Ce texte a fait l'objet d'une première communication au Colloque International Pluridisciplinaire "VILLE ET MARGINALITE CHEZ LES JEUNES" tenu à Skikda les 21 et 22 Mai 2007 et organisé par l'Université Mentouri de Constantine, l'Université du 20 Août 1955 de Skikda et l'Université Paris X Nanterre.ecospher , texte n 3 .pp 7-8.

[12] Caillé, Alain. La quête de reconnaissance. Nouveau phénomène social total. La Découverte, 2007

← العودة إلى القائمة