مفاهيم السلطة والقوة السياسية في الجزائر المعاصرة

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : المواطنة، الحركات الاجتماعية والممارسات الانتخابية

الإشكالية

لا يعيش البشر مباشرة في عالم من الأشياء أو الموضوعات، أو بتعبير آخر، في عالم مادي؛ بل يعيشون أساساً في عالم من التمثلات. وهذه التمثلات نوعان: الأول هو الأحاسيس التي تتجلى في الذات، وهي أحاسيس فردية لا يمكن إيصالها إلا بعد عملية صياغة تفترض وساطة اللغة. أما النوع الثاني، فيحيل إلى ما نسميه أحياناً بالثقافة أو الرمزي، الذي يشمل اللغة الطبيعية، والمؤسسات، والمُثل العليا الجماعية. ولا يوجد قياس مشترك بين هذين النوعين؛ فالأولى تنتمي لما تسميه التحليل النفسي اللكاني بسجل "المتخيل"، بينما الثانية (التمثلات الجماعية) تندرج تحت سجل "الرمزي" وهي مستقلة عما يشعر به الفرد أو يعتقده.

هذه التمثلات الجماعية ضرورية، فمن خلالها ندخل في علاقة مع عالم الأشياء ومع الآخرين. وتعد المفاهيم السياسية والقانونية واللاهوتية جزءاً من هذه التمثلات، وبدونها لا يمكن تصور أي حياة اجتماعية. ومن الوهم الاعتقاد بأننا نعيش في عالم مادي تضاف فوقه تمثلات جماعية، لأن العالم المادي لا يوجد إلا إذا نُظِّم بواسطة العالم الرمزي وعبر وساطة اللغة. فالبشر يعيشون في عالم صنعوه بأنفسهم، لا في عالم الطبيعة الصرف.

خصوصية النموذج الجزائري يجب افتراض وجود نمط جزائري في تأسيس الحياة، مستمد من التقاليد الإسلامية ومن خلفية أمازيغية، مع تأثيرات ثقافية عثمانية وفرنسية، انصهرت كلها تحت السجل الوطني. ومن المثير للاهتمام ملاحظة أن المركزية الجزائرية تستعير شكلياً من المركزية الفرنسية لدرجة "الكاريكاتير"، ولكن دون خلفيتها "الديمقراطية". وبما أن العالم الرمزي هو الأساس وليس مجرد غطاء للعالم المادي، فإن مشروعنا يسعى للبحث عن تصورات السلطة والنفوذ في الجزائر في خصوصيتها.

تصورات السلطة يوجد في المجتمعات المعاصرة تصوران للسلطة:

التصور "العمودي" (التقليدي): لا تحتاج فيه السلطة إلى موافقة المحكومين، ويمكن أخذها بالقوة، حيث تعتبر مجرد أمر واقع ونتاج لموازين القوى. في هذا النموذج، لا يقبل صاحب السلطة نقاش قراراته، ويظهر "القائد" كأنه الأدرى بمصالح الجميع. وتظهر الدولة ككيان خارجي عن المجتمع، بل وقمعي وافتراسي. ويتحول المعارض فيه إلى صورة "المخرب" أو "الجاسوس" أو "الخائن"؛ أي أنه العدو.

التصور "الحديث" (الأفقي): يرى أن السلطة تنبع من مجموع الجسم السياسي، وأن الممارسين لها هم مجرد ممثلين لهذا الجسم. ويجب أن يخضع الحكم فيه للعقل عبر تنظيم المداولة والمناقشة، وهو ما يتم عبر البرلمان.

تعيش الجزائر وفق النظام الأول (العمودي)، وتجهل في شموليتها النموذج الثاني، ولا يغير وجود الانتخابات والمجالس من هذا الواقع شيئاً.

فرضيات البحث يسعى البحث لتدعيم فرضيتين عامتين:

الفرضية الأولى: ترجع هيمنة النموذج العمودي إلى أثر النموذج الإسلامي (الذي يقوم على التقابل بين "عالم الشريعة" العارف، و"عامة المؤمنين" المحكومين بالجهل والعاطفة) وإلى ثقل النموذج العائلي (سلطة الأب الطبيعية).

الفرضية الثانية: ترتبط بتاريخ وأنثروبولوجيا المجتمع الجزائري، خاصة ثقل روابط القرابة والقبلية، والأثر التأسيسي لحرب الاستقلال، حيث صُممت الأمة والمجتمع على نمط "جيش" يجب تعبئته وقيادته، وصُوِّر التطور كأنه "كفاح" أو "معركة".

يؤكد البحث أن الحالة الجزائرية لا تفسر فقط بالنموذج الإسلامي، بل هناك سياق أنثروبولوجي محدد (ثقل القرابة وتملّك السلطة كإرث) وتاريخ فريد يتمثل في تدمير النظام الاجتماعي المحلي واستبداله بنظام مؤسساتي مطبوع بالنموذج المحارب.

المنهجية المتبعة ستتنوع المناهج بين الفيلولوجيا (فقه اللغة)، وتاريخ الأفكار، والسوسيولوجيا، والأنثروبولوجيا. وسيعتمد البحث على تحليل المصادر القديمة والمعاصرة والتحقيقات الميدانية، مع اعتماد المنهج المقارن.

[1] تخطئ العلوم الاجتماعية عندما تفترض أن أي تغيير في الظروف المادية يؤدي بالضرورة إلى تغيير في العالم الرمزي؛ فلا يوجد عالم رمزي ملتصق بعالم مادي بشكل محدد. [2] ومن هنا تأتي صعوبة احترام الدستور، حينما يوجد. [3] إشارة إلى تمييز "صديق-عدو" الذي يمثل معيار "السياسي" عند كارل شميت.

← العودة إلى القائمة